كتاب الواحة /2
الرقة /ربيع -2010
خلف المجدمي
نقد الإبداع
(2)
ظبية خميس
دراسة
الطبعة(2) : منقحة و مزيدة , الرقة – ربيع (2010) / سورية, الطبعة (1) بعنوان ( في جماليات الشعر ), بموافقة التداول رقم, (49618), تاريخ , ( 5/ 8/2001 ) مديرية الرقابة,وزارة الإعلام, دمشق, الجمهورية العربية السورية
المحامي
خلف محمد الخلف (المجدمي)
الرقة ص ب 135: - سورية
تلفون : 233413 - 00963- 22
242504 - 00963 - 22
موبايل : 092 90 77 5300963-
البريد الاليكتروني :
رابط مدونة نقد الإبداع
رابط البحث في المدونة
مخطط البحث
إهداء . الفصل(1) محاولة : 1- بداية, 2- اختيار3 – موضوعية . فصل (2) تصادم: 4- نماذج, 5- تماثل, 6- تفرّد . فصل (3) نظرة : 7- تذوق, 8- محبة,9- تأمل . فصل (4) انتحار :10- عشق, 11- روح, 12- تخاطر . فصل (5) قرمزي : 13- غموض, 14- شفافية, 15- صحراء . فصل (6) رومنتيكي : 16- أمواج, 17- جسد, 18- حلم . فصل (7) هاجس : 19انتظار, 20- الغريب, 21- المجهول . فصل (8) تأملات :22- زهور, 23- صبابات, 24- ختام . هوامش ومراجع
إهداء :
إلى روحي , الموجودة بكم وبسواكم, حيث هي وأنتم , تُُكوِّن ذاتها بقبولكم وبرفضكم , ستكون موجودة لأنها تريد , ولا شأن لي ولكم , بما أرادتْ , وما تريد , هي الشيخ وأنا , المُريد .
الفصل(1) محاولة
1- بداية :
ظبية خميس, شاعرة وموظفة دولية ودبلوماسية عربية من دولة الإمارات العربية المتحدة, ولدت في دبي ودرست علومها الأولية هناك, وحصلت على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة إنديانا في بريطانيا عام 1980, و أتمت دراستها العليا في جامعتي اكسترا ولندن منذ عام 1982لغاية عام 1987, وأكملت أبحاثها في الجامعة الأمريكية في القاهرة1992ـ1994 . عملت نائب مدير إدارة التخطيط في أبو ظبي, وأشرفت على البرامج الثقافية في تلفزيون دبي . باحثة ودبلوماسية وموظفة دولية بجامعة الدول العربية, ومارست العمل الصحفي, اختارت القاهرة مكاناً للعيش والإقامة مع بداية عام 1989 (1). كتبتْ حوالي ثمانية دواوين شعرية, وهي تباعاً, خطوة فوق الأرض1981, والثنائية 1982, و صبابات المهرة العمانية1985 (2), قصائد حب1985, السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر1988, انتحار هادئ جداً1992(3), جنة الجنرالات1993, موت العائلة 1993. وكتبت القصة القصيرة أيضاً, وصدر لها أول مجموعة قصصية بعنوان خلخال السيدة العرجاء (4), ومجموعة أخرى, عروق الجير والحنة عام1985, والثانية عام 1990, لها بعض الدراسات النقدية, مثل الذات الأنثوية (5), وصنم المرأة الشعري (6), شعراء البارات والمقاهي والسجون, ديكتاتورية الروح والأعمال الأخرى, مثل قفطان الذاكرة(7) وسنتناول هنا أهم أعمالها الشعرية وهي مجموعاتها الشعرية الأربع, صبابات المهرة العمانية, انتحار هادئ جداً, القرمزي (8), الأحلام الرومانتيكية (9), مع الإشارة إلى بعض أعمالها الإبداعية, وغير الإبداعية, كلما دعت الحاجة . لمعت بعض الأسماء الأدبية هناك ثم انطفأت أو تغيبت, وكان الإعلام وراء هذا وذاك, ويكمن السبب الحقيقي لغياب سعاد الصباح كشاعرة خليجية, في اهتمامها السياسي الذي طغى على الاهتمام الأدبي وعلى كل الاهتمامات الأخرى لديها, وربما كان لديها العذر الكامل . يبدأ النقد الأدبي بالحديث عن الأدب, وتظهر ملكة النقد عند القارئ عند نمو إحساسه الفني ليرتفع إلى التذوق الذاتي ثم الموضوعي الذي يقود إلى المنهجية, وقد تكون المنهجية موجودة في التذوق الذاتي, وقد يقول البعض بعدم وجود المنهجية في الحالة الذاتية, أقول : إن للمنهجية الذاتية, إن صحت التسمية, بعض الوجود في التذوق الأدبي إن لم تكن الوجود كله, يكون للذات المبدعة منهجها وللذات الناقدة منهجها هي الأخرى في تذوق جمالية النص الأدبي عامة والنص الشعري خاصة, وتوضيح سبب الاختيار وتحديده لجهة الأشخاص أو المواد هي البداية المنهجية العلمية السليمة. لماذا وقع الاختيار على الشاعرة ظبية خميس وعلى تذوق ثلاث من دواوينها الشعرية, وهي انتحار هادئ جداً, والقرمزي, وأحلام الرومانتيكية ؟ ومن ثم ديوان ( ليلى بلا عشاق ) لشوقي بغدادي(10), والتذوق الجمالي لديوان ابن الفارض(11) من خلال مفهوميّ الروح والهوى في نصوص مختارة من ديوانه, وتكون قراءة النصوص بمنهج نقدي يعتمد على الذائقة الذاتية للتذوق الشعري وعلى الإسقاط النفسي على النص المدروس, بأبعاد ثلاثية تشمل المبدع والدارس والمتلقي, ويظل النص المدروس هو المفصل الأساس في القراءة والتأويل, الذي قد تتفق معه أو تختلف, وهنا يكمن سر الإبداع الحقيقي الذي يدخلنا بمرحلة تعدد القراءة الجمالية للنص الواحد, ويظل الإبداع قاصراً إن لم يحقق تعددية في القراءة . خطتْ الشاعرة أول " خطوة فوق الأرض ", في بيروت, كعمل شعري أو مجموعة شعرية, أو ديوان شعر, صدر عن دار الكلمة عام 1981م, ثم كانت مجموعة شعرية " الثنائية : أنا المرأة , الأرض , كل الضلوع ", في دار الكامل , في لندن عام 1983, ولكن تبلورتْ التجربة الشعرية مع "صبابات المهرة العُمانية ", في بيروت, عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1985, كتبت الشاعرة أول قصائدها في الشارقة بنهاية عام 1981, ثم أكملتها في لندن, بنهاية عام 1984, أهدتها " إلى المهرة الجليلة " أمها, وأضافتْ : " .. أبوح إليكم في أشعاري هذه, بما همستْ به المهرة العمانية … "(12) . تبدو القصيدة الأخيرة في ترتيب المجموعة هي أول ما كتبته , في الشارقة بنهاية عام 1981, كان الهم السياسي رديفاً للنصوص, وظهرت الوصفية والتقريرية , على حساب الصورة الشعرية التي ظللتْ باهتة, وتقدمتْ المباشرة بالفكرة على حساب المجاز الشعري, وما ذاك إلا من مقومات الهم السياسي في النص الشعري, ولكن أسعفها الإيقاع الشعري الداخلي, والموسيقى الواضحة بداخل النص, تلك الموسيقى التي لا بد منها في النص الشعري, وذاك الإيقاع الداخلي الذي يرتفع بالنص من الفكري إلى الشعري . وتبدو " أغنية الرؤيا" تعبيراً عن الهاجس السياسي بشكله المستقبلي, كانت الشاعرة متفائلة بالمستقبل, ففلسطين ستعود " بين الضلع والضلع ", وهناك الحنين والوردة والبسمة والفرحة والأمل, وهناك السنبلة والزهر والعشق والنخل والتوت والنخل والرطب, والفجر والشمس والقناديل, بمقابل الجرح والحزن والدمعة والليل والموت والخنجر والقتلة, يبدو العامل والأرض والفلاح, والشباب والثورة, ولكن حتى تتحقق تلك الرؤيا يشترط النص الشعري أن نحارب " حتى يُسمح لليل أن ينجب شمعاً / .. يسود الأرض أمان , ولكن قبلاً سنحارب , ونحارب, ونحارب ,. … بالحب وبالحكمة ", و….. فهل تحققت تلك الرؤيا ؟, يبدو أنها لم تتحقق لعدم تحقق الشرط الواجب قيامه لحدوثها وهو شرط الحرب, لأننا لم نحارب, لم تتحقق تلك الرؤيا . بدت قصيدة صبابات المهرة العُمانية في أقسامها الثلاث, رواق وممرات وخيالات, بدت كملحمة شعرية قصيرة, متعاكسة اللون تترافق مفردات الرواق: والخيالات, والأشباح والموت والشحوب وغبار وطين وتراب وأقبية وخناجر وغدر, وحشية الموت, بمقابل الفجر وعطر الأنوثة, وابتسامات الطفولة, وثمرة الحب والشمس والنور, ورموز " الصنوبر الأحمر, وأوراق البرتقال القانية, والغصون الوحشية, ما هذا الرواق الذي تدلف أليه الظباء ؟ وما تلك الحمرة القانية لأوراق البرتقال :
- سيمر اليوم الأول ونُحارب
ويمر اليوم الثاني ونموت
ويمر الرابع , والخامس, والعاشر, ونحارب,
سيكون العشق غزيراً, ويكون الطفل جنيناً مارد, ونحارب,
بالشعر نحارب, بالعشق و بالطفل, وباقات الزهر,
بالعود اليابس والنخل,
وبجذع النخل وحبات التوت .
- بيروت ستخرج من هذا الليل / وتصبح وردة /
تصبح أرضاً / وطناً للحب / وكتاباً يُقرأ
- في أول الرواق ضجيج / وفي آخره شحوب الضوء الأخير / تدلف الظباء إليه.(13)
2- اختيار:
قرأت في زمن سابق في دورية عربية اعتقد أنها الهلال، أبياتاً شعرية بتوقيع الأميرة سعاد الصباح فيها بعض الصور الصوفية في الغزل الهادئ الخافت, مع موهبة حقيقية تجلًت بروح حالمة بآفاقها الشعرية, وكنت قد حصلت على الدورية من مكتبة رصيف تتولى بيع الكتب والمجلات والصحف العربية والأجنبية القديمة, في منتصف سبعينيات القرن العشرين بحلب, وأعتقد أن الدورية كانت صادرة في الستينيات, وكنت في بداية تذوقي للشعر, ورسخت تلك الأبيات كوشم في ذاكرتي, لأنها عبّرت عن حالتي النفسية آنذاك وعن حالتي الفكرية أيضاً, كنت ومازلت عاشقاً إلى يومنا هذا, وان اختلفت الرموز والإشارات :
" أي نهر
في ربا عينيك يجري أي كوثر
أي نور فيهما يبدو لعيني فأبصر
أي نار فيهما تجعل قلبي يتبخر
أي كأس فيهما تنساب في روحي فأسكر
أي سهم فيهما يجعل كبري يتكسر
أي لون يتجلى فيهما الله أكبر ".(14)
بدت الأبيات وكأنها البدايات الأولى للشاعرة سعاد الصباح, أو على الأقل هي بدايات النشر الأولى, فالنهر كوثر, والنور يبصر، والنار تبخر, والسهم يكسر, والتجلي الله أكبر, والإشارات دالة على الذات مثل، عيني, قلبي، روحي, كبري، أبصر, أسكر ..الخ وكانت هذه بداية ميلاد الأنا الكبيرة عند الشاعرة، التي تخلت بعد ذلك عن لقب الأميرة ومالت إلى اللقب العلمي (الدكتورة) والى لقب الشاعرة هي أكثر ميلاً حسب اعتقادنا, وحسب منشوراتها, وهي أول شخصية خليجية, قرأت لها بهدوء وروية وإعجاب أيضا, وتفاعل اهتمامي بمنطقة الخليج العربي طرداً مع تقدمي بالسن والقراءة ولأسباب كثيرة متعددة لا مجال لذكرها الآن, وكان وما زال الأدب الرائد الأول لهذا الاهتمام .لماذا ظبية خميس ؟ لعبت الصدفة أو المصادفة في القراءة ثم الكتابة الدور الأكبر في الاختيار, وربما ينكر البعض كيفية هذا الاختيار, أقول هذا واقع الحال, ولماذا الإنكار أو التنكر لاختيار شخص أو موضوع, وهناك بعض النظريات الفلسفية تفسر كل الكون على أساس من ذلك, مع ذلك لا بد من تفسير. تبدو البيئة الاجتماعية هي العامل الحاسم في الاختيار, البيئة التي ثارت الشاعرة عليها أو العكس, البيئة التي ثارت على الشاعرة, وهي في الحالتين الخليج العربي الذي اقتصر البعض على لفظه دون أن يكون مقترناً بصفته الملازمة لتجنب اعتراض بعض الدول على اللفظ، فأصبح الخليج فقط. ويعني هذا الخليج للغالبية من الناس بما فيهم بعض أهل الخليج وبكل أسف, يعني المال فقط, ولم نتصور وجود الفكر والحضارة والأدب والفن والمثل والقيم هناك، وان وجدت عللناها بحضارة مادية مستوردة من الغرب شأن السلع الاستهلاكية الأخرى التي يستوردونها أو تُصدّر إليه . ويتعلق التصور بعاملين: الأول بالخليج العربي ذاته, إذ لم يرسل الخليج في سفاراته الشعبية سوى النموذج الحي لرجال المال والترف والإسراف, وأقول في سفاراته الشعبية وليس الرسمية, فدمشق ملتقى لهؤلاء وهؤلاء أيضاً, وكذلك بقية المدن العربية والأجنبية وكم تمنيت أن أقابل أشخاصاً من ذلك المكان الجغرافي أو تلك البيئة الاجتماعية من الذين يحملون فكراً نيّراً, وهذا بعض التقصير مني, لأن مقابلتي لبعض هؤلاء الذين يحملون صورة غير محمودة عن بلادهم، لا يعني انعدام وجود الآخرين من المبدعين في هذا المجال أو ذاك, وربما لم تتوفر الفرصة المناسبة بسبب قلة المال لديهم للتواصل الايجابي المفيد مع الآخرين. والثاني يتعلق بالآخر, الذي لم يتصور ولم يرغب بتصور وجود حقيقي للمبدع والمثقف في بيئة الخليج العربي, وبالتالي لم يحاول التواصل مع تلك البيئة إلا من خلال المال والنفط, فكانت نظرته قاصرة على ذلك, وبالتالي لم يتواصل إلا لأجل المال دون سواه، وعزز أهل البيئة هذا الجانب بطريق الانكفاء على الذات, ورد كل علاقة معهم من الآخرين على إطلاقهم إلى المال, ولم يحاول الأفراد أو الجماعات هناك إيجاد علاقات تبادلية بطابع اجتماعي أو فني أو فكري أو غير ذلك, وقد تتخللها علاقات اقتصادية . تغص منطقة بالخليج العربي بالمبدعين, كما تغص بالمال والنفط, هكذا كنت ومازلت أعتقد, وظهر إلينا وجه النفط, وغيب وجه المبدعين. استمعت إلى عبد الرحمن منيف, وقرأت بعض أعماله, تبين لي أنه حمل البيئة التي عاشها, وتأثر بالفكرة التي قاوم من أجلها, ولم يكن في تكوّنه خليجياً, وقرأت بعض الأعمال الأكاديمية لمحمد جابر الأنصاري كمفكر وباحث وأستاذ جامعي خليجي, وتبين لي أن أفكاره قد تشكلت في بيروت تلك المدينة التي عاش فيها عقداً كاملاً من الزمن, وهي مرحلة تكونه الأكاديمي والفكري العام, ولم أشعر أن البيئة التي ولد فيها الأنصاري, فقيرة فكرياً . خاضت سعاد الصباح تجربة رائدة في الشعر السياسي في شبه الجزيرة العربية, وحملت نصوصها الأولى شفافية الروح, وخفوت الغزل الرقيق, وكتبت شعرها بموهبة حقيقية وعاطفة محكومة بخفوت المرأة, ولم تبتذل بصورها عالم الجسد, ومالت بعد نضوجها الفكري والسياسي, واكتمال موهبتها, مالت إلى الشعر السياسي بترنيمة عالية في الأداء والجودة, وكانت محافظة ولم أجد لديها التجديد في الرؤية الفنية أو الطرح الشعري, وكانت أكثر جرأة في الشعر السياسي عبد تداخل الأزمات العامة في وطنها العربي الكبير. ولم تشمل قراءتي كل إبداع حمدة خميس الشعري, الذي حمل فكرة اجتماعية, ولم أجد الصور الجريئة فنياً, مع هذا تكونت لديّ فكرة سريعة وبسيطة كبذرة قراءة جادة وأكثر عمقاً قد تتحقق في المستقبل القريب وقد لا تتحقق . ودخلت إلى المنطقة من خلال قراءة أعمال إبداعية للشاعرة ظبية خميس التي حملت نصوصها فكراً عميقاً نيّراً, في ثورة داخلية على البيئة, أو ثورة البيئة عليها, فكانت حالة الصدام التصادم, فكانت صورها الشعرية أكثر جرأة من غيرها ببيئة محافظة نسبياً . السؤال: كيف تكوّن هذا القلم النسائي الخليجي المبدع ؟ ولم يكن من جواب إلا بالقراءة لأعمالها الإبداعية الشعرية السابقة الذكر, وكان الاختيار الحقيقي, كونها امرأة أولاً وخليجية ثانياًً, ومجددة وثائرة ومثقفة في الفكر السياسي - كما سيظهر لي لاحقاً- ثالثاً, وربما يعود الاختيار إلى سبب كامن في اللاشعور, أحاول أن أجد له تفسيراً بدون أن افلح .
3- موضوعية :
حاولتُ أن أكتب بموضوعية مطلقة، التي تبدو وكأنها معدومة, أو على الأقل ضعيفة في العلوم الإنسانية عامة وفي التذوق الشعري خاصة, لاختلاف الذائقة ونسبيتها, وأعترف بأنني كتبتُ عنها بمودة ,ويعود سبب ذلك إلى أعماقي, بتقارب الاهتمام بالقضايا العامة وبيئة اجتماعية متشابهة, وقراءة للتاريخ والأدب والفكر السياسي من جهة, وسبب آخر يعود إلى أعماقها وذاتها, فهي جريئة جامحة متمردة هائمة رافضة, ومتحدية وترغب في منازلتها بعراك فكري الغلبة فيه لمن يحمل الأصالة والفكر النيّر المتجدد, إنها النموذج الحي لوطنية قاربت الانطفاء أو شعلة شارفت على الذبول والذوبان في الآخر بدون مقابل، فتمردتْ على الذات واستقلت عن الآخر, وعبرت عن ذاتها وأعماقها العصية على الاجتياح, ومن أعماقي ومن ذاتها كان واقع وحقيقة الاختيار. " تقول قصائدي أنني امرأة يائسة, ولسبب ما هو الآخر غامضٌ, أود أن أشارككم في رؤية هذه الجوانب المؤلمة حقاً, حياتي تنقلات, الاستقرار يربكني, لازلت اغرق في حيرتي, كنتُ انشغل بتفاصيل الآخر الخارج, الآن اتجه إلى الداخل إلى الذات, لأنني لست واثقة من أن الشاعر, يستطيع تغيير مسار الكرة الأرضية, في النص الشعري. علاقتي بالوطن بالعائلة بالرجل بالأصدقاء بالأماكن دائماً انتحار هادىء جداً …. " (15). لهذا القول إشاراته النفسية العميقة, إنها حالة الاعتراف للسيرة الذاتية, في زمن يصعب فيه البوح . تمحورت الشاعرة مع ذاتها بعد أن خاضت تجربة التمحور مع الآخر الخارج . تبدو الكتابة لديها حالة لشغل الفراغ, تمتص رحيق الداخل, وبالتالي فالكتابة طقوسية " تسبيح ومشاركة, روح, موجة فعل ". قدّم شوقي بغدادي أمسية شعرية بالمركز الثقافي العربي بالرقة، وقرأ فيها قصيدته التي تحمل عنوان " هزيمة خالد بن الوليد " وتم إخراجها مسرحياً, وحملتْ إسقاطات تاريخية على الواقع, أثارتْ في نفسي إحساساً مبهماً، بمشاعر متناثرة ومتناقضة، وتركتْ حزناً عميقاً ظل يراودني زمناً طويلاً, كانت القصيدة منشورة بديوانه " ليلى بلا عشاق ", قرأتها كثيراً فنزف الجرح النفسي العميق ألما مكتوماً, ولم أجد التفسير المناسب لمثل هذه الحالة، التي فجرتها قصيدة شعر, وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها شوقي بغدادي, وكنتُ قد قرأتُ له بعض أعماله الإبداعية ولكن فجرت هذه القصيدة ثورة في داخلي, لقد دفعت إلي المصادفة أو الصدفة شوقي بغدادي, وكنت قد قرأت بعض أعمال ظبية خميس, بهدوء وروية فحصل الاستكمال, وتركتُ هزيمة خالد بن الوليد ومضيتُ إلى قراءة كامل قصائد الديوان الذي صدر في طبعته الأولى في نهاية سبعينات القرن العشرين, والذي غلب عليه هاجس الوطن، وفيه الجموح والعنفوان والتسامي نحو المثل الاشتراكية بنظرة جديدة وجريئة تأخذ بيدك إلى عالم الفجر والشمس والأفق الأرحب الزاخر بالقيم والأمل, ورافقت اللغة الشعرية موسيقى داخلية بالنصوص وصورا مرسومة بحروف الكلمة الدالة بلفظها على مضمونها, ونابعة من معاناة ذاتية واقعية بتجربة حياتية خاصة, ارتبطتْ بهموم عامة لها صفة الشمولية في الزمان والمكان من منطلق سياسي فكري مؤدلج في النهاية, مع محاولة إسقاطه على الواقع اليومي الحياتي الخاص والعام للفرد والمجتمع والأمة, فكان الإبداع حقيقياً . وتبدو المقارنة بين ظبية خميس وشوقي بغدادي مفيدة, كان الوطن بمعناه الشامل هاجساً مشتركاً, غلب الترميز عند ظبية, والمباشرة والوضوح عند شوقي, ويعود ذلك إلى التكوّن الثقافي عند بغدادي الذي ارتبط بالنضال السياسي المباشر القادم من الفكر الاشتراكي المؤدلجح, في حين ارتبط عند الشاعرة, بالتاريخ السياسي والجغرافية السياسية والتاريخية, معبرة عن ثقافتها وهاجسها الذاتي, وقدّم ديوانه بنفسه وتحدّث عن تجربته الشعرية والفكرية والنضالية مع اعتذاره عن هذه المقدمة, وقدّمتْ ديوانها بنفسها, بكلمة صادقة, موجزة ومعبرة, واعتذرتْ عن مثل هذا التقديم إذ ليس للشاعر حسب العرف, أن يضع مقدمة لديوانه, على حد قولها, فهل يصبح هذا عرفاً للشعراء بعد ذلك, يقوم السؤال التالي: لماذا هذا التقديم ؟ وهل هي الصدفة أو المصادفة مع تشابه الهاجس ؟ أم هناك بعض الأسباب الأخرى ؟ أعتقد أنها الحالة النفسية الواحدة في التعبير عن الهاجس الواحد, يبدو التشابه واضحاً في الشكل والمضمون وتطابق الهاجس العام, ووقع الاختلاف بالطرح الفكري والفني المرادف للصور الفنية والبلاغية وفي اللغة التعبيرية, بدت اللغة عند بغدادي جزلة ومكثفة, في إيحاء بلاغي موزون في اللفظ والموسيقى التي غلب عليها الطابع الغنائي الثوري, حتى تظن أنك ذاهب إلى الحرب والقتال, وهي أقرب إلى لغة البيانات العسكرية والسياسية, في حين كانت لغة ظبية خميس بسيطة وهادئة, وهي أقرب للإيحاء من المباشرة, واعتمدتْ الأسطورة حيناً وعلى الترميز القادم من أعماق التاريخ أحياناً أخرى بتوظيف سياسي معاصر, حتى تظن من فرط الترميز والتنويه, بوجود هلوسة ذاتية ولفظية شعرية, بسبب غياب البلاغة المباشرة, التي ساهمتْ في صعوبة فهم النص الشعري عند قراءته جمالياً وكانت لغتها أقرب إلى التنويهات الدبلوماسية المرنة التي تحتمل أكثر من تأويل .
فصل (2) تصادم
4- نماذج :
ولم يكن شوقي بغدادي واضح الطريق في الشعر أو الحياة إذ تأرجح بين العمود الشعري الكلاسيكي, أو لون الحداثة من تفعيلة وتكوينات تفعيليه تناغمتْ والتجديد الشعري زمن الخمسينات والستينات, ولم يفلح في قصيدة النثر, وظل متناقضاً بين الألوان الشعرية المتناثرة , كما تأرجح بين المذاهب الفكرية والحياتية من الاشتراكية إلى التجديد الحياتي, وقد تجد التضاد في حياته . قدّم ديوانه بحديث طويل فلسف فيه الشعر حسب وجهة نظره واعتبر".. الشعر لعبة مسلية, تنتهي بلعبة خطرة, يكاد أن يدفع الشاعر حياته ثمناً لها, وعندما يصبح الشعر قضية حياة أو موت, في هذه الحالة فقط يبدأ الإنسان حياته مع الشعر حقاً, ومن دون هذا الشعور الكاسح بالحياة أو الموت نبقى مخدوعين,..وعندما كنا نرمي الحجارة, غير مصدقين أن الموت ممكن, عندها لم يعد الشعر لعبة مسلية, بل صار احترافا ًويطمح الشعر والشاعر محاربة فساد العالم كله,..إنما المتعة في النشوة العجيبة بالشعر ذاته, انه الحياة أو أن الحياة مرتبطة به…" ويصف الشعر بنسمة الروح الطليقة, والمغامرة في أزقة الحي الحاشد بالبشر, وفي شوارع حاملة الصخب, وخير مكافأة هي اعتراف الناس, والنشوة الكبرى أن يجد الشاعر القدرة على أن يقول لا … في وجه المد الطافح في القسوة وفي الفساد والقذارة والتفاهة, وان ما ينشر ليس هو الأجمل وما يحجب ليس هو الأردأ, الحكم للأجيال,. والحكم للتاريخ .." (16) , ولعله هو الآخر قد شكل حالة تمرد وتضاد مع الذات والأخر، مع فهل بقي أميناً لهذه الفلسفة أم تحول إلى غيرها. بحثتُ عن حالات شعرية تفاعلتْ مع الواقع, الذي لم يتمكن من احتوائها, وتمردتْ عليه فرفضها ورفضته أيضاً, فكان الشعر الصوفي غنياً بها, وتعملق ابن الفارض كعلم مجدد حملته حيرته وتردده في المسار والمسلك, إلى تفرد في طريق غير معبدة, شافعي المذهب أقبل على الصوفية, وتدرج فيها صاعداً بروحه, هائماً في هواه نحو الذات التي سمتْ على ما حولها, دفعه عشقه الصوفي إلى تضاد مع المجتمع والواقع, والى المزيد من التناقض والغربة والوحدة, والسفر إلى أعماق جديدة لم يصلها غيره ولم تحقق رغبته في الفتوحات الصوفية, فواصل السير وحث الخطى نحو الأبعد والأكثر تفرداً, وتصاعدتْ ذاته من مرحلة الذات الفقيرة المتذللة للمحبوب الباحثة عنه لوصل ووصال, والتي ترادفتْ مع الصدّ وصدود بتناوب بين الذات والمحبوب المحبوب, إلى حالة التوحد معه بثنائية يصعب التمييز بينهما, فكأنه العاشق والمعشوق بآن واحد, ودان بوحدة الوجود, وارتفعتْ حالته من الشوق والوجد والهيام والانجذاب إلى حالة حلول المحبوب فيه أو العكس حلوله في المحبوب, وهو الذي وصل منزلة صوفية لم يصل إليها سواه من جيله الصوفي على الأقل, حتى لقب بالإمام العارف, وقد نُعِتَ بالشرف, وكان يُعرَف بسلطان العاشقين، زاره الملك الكامل في قاعة الخطابة بالأزهر الشريف, كان يريد منزلة أعلى وأكثر قرباً من المحبوب, وربما أراد أن يكون بمنزلة المحبوب, أو على الأقل بمنزلة توازيها ولا تقل عنها شأناً, وتاقتْ روحه للجديد المتفرد . الشيخ شرف الدين أبو حفص عمر بن مرشد بن على (576-632هجري/1181-1234ميلادي), أصله من حماة, وولد ونشأ ومات بمصر, أهتم بالفقه, واعتزل الناس بالمساجد المهجورة، ثم بواد ناء عن مكة, وعاد لمصر, ومات فيها ودُفن في سفح جبل المقطم في مكان يدعى القرافة, كان يرغب برؤية ارتفاع النيل، وكلما حل ذلك كان يتردد إلى مسجد الروضة, كان يعشق الجمال في مظاهره المتنوعة، أحب الأقدمين فجاء شعره تقليداً لهم, ملتزماً الصنعة وشاع بين أبناء عصره وزمنه, ناطقاً بالمعاني الصوفية, متكلفاً المحسنات البديعية والصور الشعرية التي اتسمت بالرِقة واللطافة الفائقة(17), كانت صوره الشعرية شفافة وظريفة, دقيقة المعنى واضحة العبارة, رشيقة ورقيقة كحفيف الفجر الماطر, شاع شعره الصوفي في زمنه، كما تلاه الصوفيون من الأجيال اللاحقة, كنموذج شعري وكطريقة يمكن الاقتداء بها, كان رضي الله عنه رجلاً صالحا, كثير الخير, حسن الصحبة, محمود العشرة, بدأ سيرته الصوفية بغربة مع الذات والمجتمع, واعتزل الناس, وكانت الشكوى والتمس الغفران والعطف, مفتاحه إلى المسلك الصوفي, وطلب الوصل والتواصل, مشيراً إلى حظه العاثر في هذا الطريق, والى شوقه الحائر, وقلبه المجروح, وحبه الدائم, وكانت الغربة والعزلة والوحدة سبيلاً لدخوله المسلك الصوفي, بتضاد في الصور والمعاني والحياة, ناشداً الكمال المطلق, والجمال الكامل, باحثاً عن اللقاء والوصال, وسعى إلى تحقيق حالة الحلول الكامل, والتي ظلت أمنية يسعى إليها, ويبدو أنها لم تتحقق, واستمرت روحه تواقة إلى منزلة روحية صوفية ترضي طموحه, فتفرد بوصف محاسن الروح, ومواطن حمال القلب, الذي يشع نوراً وجمالاً, وقادته نفسه الحائرة التائهة المتمردة، وروحه الهائمة المترددة, وقلبه الذي لم يعرف الاستقرار على حال واحدة, المشع بنور العشق الصوفي, قاده كل ذلك إلى العودة إلى الشك مرة أخرى, والعمل على إعادة النظر بالمسلك من أساسه. كانت الأنا لديه كبيرة, وطافحة في معظم نصوصه الشعرية, بعنفوان الكلمة وصدق الصورة, وتضاد داخلي ينبع من أعماقه الدفينة, فكانت نصوصه نموذجاً لحالته الفكرية والشعرية والصوفية, ساعدته اللغة التي أمست طيّعة بين يديه وبفكره, يعبّر بها بالطريقة التي تناسب أفكاره وحالته الصوفية والشعرية, بالوقت الذي عجز البعض من معاصريه عن ترجمة الحالة الصوفية إلى كيان مستقل, اللغة ذاتها ضاقت اللغة ولم تتسع لحالته فكانت المفردة الشيء ونقيضه وقد تأخذ أبعاداً ثلاثية أو أكثر, فترادفت الكلمات والمفردات والصور للتعبير عن الحالة التي يريد تصويرها أو الحديث عنها, وتمكن من توظيف المفردة الواحدة للحديث عن الحالة ونقيضها أو بتصور نقيضها بآن واحد .
5- تماثل :
هناك الكثير من الحالات المماثلة, التي يمكن دراستها على هذا المحور، في الشعر العربي القديم والحديث, فقد ظهرت الأنا الكبيرة في لامية العرب للشنفرى(18) بعد أن ثار على قومه أو ثار قومه عليه, فتمرد عليهم وخرجوا عليه ومال إلى غيرهم وعاش غربته وتضاده النفسي والاجتماعي وحيداّ, بثقة عالية بالنفس تفوق حالة البشر العادية. خرج طرفة بن العبد الذي فلسف الحياة والموت من وجهة نظره, خرج على المجتمع أو خرج المجتمع عليه, كان كريماً شجاعاً يرتاد لذة العيش ويعتنق مكارم الأخلاق رافضاً الظلم بكل أشكاله, ومثّل المتنبي حالة الأنا الكبيرة التي ترتفع به أو يرتفع بها إلى مرتبة تفوق كل ممدوح لديه ويصل بها أو تصل به إلى التفرّد, وكان عنترة بن شداد حالة مماثلة لكنها ملتصقة بالقوم وليست خارجة عليهم, وشكل نزار قباني حالة معاصرة بعزفه على وتر ظلم المرأة, وهناك حالات أخرى كثيرة لم اذكرها, فقط أخذتُ العيّنات. يتلخص القاسم المشترك بينهم بالأنا الكبيرة, والتضاد وعدم الاستقرار, والهاجس النفسي الذي تمثّل بالغربة والوحدة والعزلة, أي الحالة النفسية المتشابهة لديهم والمتفردة عن غيرهم. تبدو المعاني مطروقة في الطريق, يعرفها العجمي والعربي, القروي والبدوي. إن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ, لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية ومعتمدة إلى غير نهاية, وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة, وبالتالي يتوجب انتقاء الألفاظ التي تدل على المعاني بتذوق, على أن لا تقود إلى الغموض . إذ " ليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه , حتى لا يحتاج السامع لما فيه من الروية, ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشو, ويحطه من غريب الأعراب ووحشي الكلام, وليس له أن يهذبه وينقحه جداً, ويصفيه ويذوقه حتى لا ينطق إلا باللباب, وباللفظ الذي قد حذف فضوله, واسقط زوائده, حتى عاد خالصاً لا شوب فيه, فانه فعل ذلك لم يفهم عنه, إلا بأن يجدد لهم اتهاماً مراراً وتكراراً, لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام, وصارت إفهامهم لأتزيد على عاداتهم إلا بأن يعكس عليها ويؤخذ بها كما يقول الجاحظ (19) . أن تكون رائداً في رصد جينية الثقافة العربية في القرن الثالث الهجري, هو أن تكون الجاحظ, ذلك العلامة الموسوعي الذي حاول أن يعي ويوثق ثقافة عصره العربي- الإسلامي, رامياً بعينيه إلى جذورها منذ الجاهلية مضيفاً إلى ذلك أفق المقارنة المستمرة في المفاهيم مع الحضارات الأخرى, المجاورة منها, والمعادية لها أيضاً من وجهة نظر ذلك الزمن . كان الجاحظ رجلاً فكرياً حداثياً, أفقه مفتوح أمام المستقبل, وكأنه يكتب من ذلك الزمن لكي يصلنا في هذا الزمن الجديد بمسؤولية المثقف الذي تجاوز عصره(20). كتب تولستوي الحكاية الشعبية التالية : " أمر ملك هندي بجمع كل العميان, وأمر خادمه أن يريهم فيلته, وأخذوا يجسوهن , فجس أحدهم الساقين, وجس الآخر الذيل والثالث جس البطن شبهها بكومة التراب, والرابع الذي جس الخاصرتين الظهر, وجس الخامس الأذن, وجس السادس الناب, والسابع الخرطوم, وطلب الملك إن يحدثوه عن فيلته, فوصفها الذي جس الساقين بالأعمدة, وقال الآخر: إنها تشبه الجدار والخيل, وقال الذي جس الأذنين, بأنها تشبه المناديل, ووصفها الذي جس الناب بأنها تشبه كبشاًُ أو قروناً, ووصفها الذي جس منبت الذيل بالأغصان, أما الذي جس الذيل فقد وصفها بالمكنسة، وأخذوا يتخاصمون في صحة قول كل واحد منهم "(21) , لقد وردت الحكاية في كثير من المراجع الأدبية الفارسية والعربية ومختلف حكايات الشرق, وربما نقلها تولستوي عن الأدب الهندي الشعبي . يشبه العمل الإبداعي الأدبي الفيل أو الفيلة في الحكاية السابقة, ويشبه كل واحد من النقاد الأعمى الذي جس جانباً من الفيل ووصف ذلك, لقد جس حقيقة ووصفها وتحدث عنها, لكنها ليست الحقيقة الكاملة, بل هي الجزء منها عند كل واحد منهم, ولا تشكل أقوالهم المجتمعة عن الفيل ووصفه, الحقيقة الكاملة, لأن الفيل في حقيقته الكلية ليس هو مجموع الأجزاء المجتمعة, التي جسوها ووصفوها, ولم يكن أحدهم على خطأ كما لم يكن على صواب أيضاً. يفرض السؤال التالي نفسه: كيف يكون النقد الأدبي موضوعياً ؟ وكيف يكون التذوق الجمالي للنص منهجياً ؟ تقودنا محاولة الجواب إلى البحث عن نظرية قائمة أو مفترضة في فلسفة الجمال والقبح من وجهة نظر ذاتية, دون التطرق إلى فلسفة الخير والشر من وجهة نظر الأخلاق, ومدى تطابق هذه النظرة على المنطق والعقل, ويحتاج السؤال إلى المزيد من الوضوح والشمولية أيضاً كمرحلة أولية, وقد تكون المحاولة للجواب على السؤال بطريق الفرضية مجدية كخطوة ثانية, تفضي إلى طريق الاستدلال العقلي المستند إلى المنطق والمناهج العقلية المنطقية للبرهنة على صحة الفرضية أو على نفيها من قبل الذين يرفضونها, إذ كيف نقترح فرضية نقد أدبي تقوم على التذوق الأدبي كمنهج ذاتي, ثم نعمل على إثباتها أو ننفيها بالاستناد إلى العقل والمنطق ؟ هنا قد تبدو بوابة النفس الإنسانية مدخلاً مناسباً للغوص عميقاً في ذات العمل الإبداعي بغية البحث عن مواطن الجمال فيه وفي النفس الإنسانية التي أنجزته, أو التي تلقته أيضاً, وهذا يقودنا بالضرورة عند الإثبات أو النفي, إلى تقديم وجهة أو وجهات نظر بعض الآخرين من مفكرين ومبدعين, الأمر الذي يقودنا إلى سؤال أوسع يشمل ماهية عملية النقد, وما إذا كانت عملية تقييم وتقويم, أم هي عملية خلق جديد للإبداع ذاته, أم هي نظرة مشتركة بين هذه وتلك؟. يضع المبدع منهجاً خاصاً به يسمى في بعض الأحيان مدرسة أدبية أو مدرسة إبداعية, يقتدي الآخرون بها بطريق التقليد أو التماثل أو التبعية, وتستهدي الأجيال الأدبية اللاحقة بالتشبه, أو التزوّد أو التزيّد والإضافة, أو بالانتقاد والخروج والتجديد, وبالتالي تصبح المدرسة كلاسيكية في حين كانت مدرسة حداثة في زمنها .
6- تفرّد :
ويعتقد البعض "بندرة الإبداع الحقيقي, الذي تظهر فيه روح الفنان كثمرة مطابقة لحياته السابقة, فهو – أي الإبداع الحقيقي – مثل وضع حمل الأم بطفلها, في حين يضع الحرفيون والمعلمون الفن المزيف دون توقف, متى وجدوا مستهلكاً, ومنه لاحتاج الفن الحقيقي إلى التبرج فهو كالمرأة التي يحبها زوجها, أما الفن المزيف يجب أن يكون متبرجاً على الدوام كالعاهر, ويكمن السبب في ظهور الفن الحقيقي بالحاجة الداخلية للتعبير عن الأحاسيس المتراكمة, وإدراج الأحاسيس الجديدة في الحياة اليومية"(22) . تخلص وجهة النظر تلك إلى القول بأن الفن حاجة داخلية للإنسان, وتكون هذه الأحاسيس الداخلية تعبيراً حقيقياً للمشاعر التي تراكمتْ من خلال الزمن، وشكّلتْ بتراكمها أحاسيسا جديدة, وفي هذه الأخيرة يكمن أحساس الفنان والمبدع الذي يختلف عن إحساس الفرد العادي, وتتفق هذه المقولة مع النظرية الماركسية التي تقول بأن التراكم الكمي يؤدي إلى زيادة في الكيف, ويضيف هذا القول رؤية إبداعية جديدة, تعطي الحياة زاداً وقوة وأملاً وإبداعا صادراً من الذات المبدعة أو النفس المبدعة, مرسلاً إلى الذات أو النفس المتلقية, وهنا يكون الفن الحقيقي والإبداع المتطور, وما عدا ذلك يكون الفن مزيفاً, ومهما يكن الأمر فانه لا يكون فناً إذا لم يحقق حالة التجديد أو على الأقل الاعتقاد بالتجديد بين المبدع والمتلقي المستمر في الزمان والمكان, ويظل السؤال قائماً : هل نعتبر النقد بشكل عام والنقد الأدبي بشكل خاص إبداعا ؟ وهنا بيت القصيد . يبدو الجمال معدوم الوجود بذاته, كذلك القبح, ويبدو ذلك وكأنه قضية نفسية ذاتية داخلية خالصة, وقد يتعلق الأمر بالذات الناظرة، أكثر منه بالذات المنظورة, لعل الجمال موجود في الذات الناظرة كما هو بالذات المنظورة, حيث يصدر من الذات المنظورة إلى الذات الناظرة, التي هي بالأصل تحمل جمالاً, فيتفاعل معها بأحاسيس ورؤية جديدة, وينعكس إلى الذات المنظورة ويضفي عليها شكلاً جمالياً جديداً تراه الذات الناظرة وكأنه صادر من الذات المنظورة, وما ذاك إلا حالة الانعكاس الداخلي والخارجي الجميل من النفس الناظرة الجميلة على الأشياء فتعطيها جمالاً مضافاً إلى جمالها, ويرتد مرة أخرى إلى الذات أو النفس الناظرة, فتكوّن الأخيرة تذوقاً خاصاً بالصور الحسية الجمالية . بمعنى آخر: تتكون صور الجمال بين الناظر والمنظور من خلال الحالة النفسية الجمالية للأول على الثاني, وعلى القياس عينه يمكن أن نسقط الأمر على حالة القبح وعلى الحال المتوسط بين الجمال والقبح . لا يوجد الاتفاق الكلي, بالمعنى المطلق على الأقل, على قياس محدد للجمال والقبح, بل هو محل الخلاف المستمر, وبالتالي تبدو الحالة نسبية, ولا يوجد تطابق بين حالة الجمال والخير من جهة, والقبح والشر من جهة أخرى, وذلك لاختلاف أساس القياس في الخير والشر عن أساس القياس في الجمال والقبح, تقوم الحالة الأولى على منظومة فلسفية عقلية ومنطقية تستند إلى الدين أو الأخلاق, أو إليهما معاً, في حين تقوم الحالة الثانية أساساً على منظومة نفس بشرية داخلية, تستعين بالمنظومة الأولى استعانة, ونقول بالمعنى الآخر: تقوم فلسفة الجمال والقبح على أساس الانعكاس النفسي, فما أراه جميلاً, قد تراه النفس الأخرى قبيحاً أو العكس, وعلى أساس من ذلك نسقط هذه الفرضية على الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص, حيث يساهم التطبيق العملي بتوضيح النظرية بشكل أكثر بروزاً. وعليه لا تخضع فلسفة الجمال والقبح, ومنها الفن والأدب, إلى قياس عقلي خالص كلي وشامل, فان خضع لمثل هذا كان الجمال واحداً على استمرار الزمان والمكان, وتكون قراءة العمل الإبداعي الفني الواحد, كنص أو لوحة من الناحية الجمالية - تكون – قراءة موحدة مطلقة كحالة افتراضية, لوجود وجوب القياس العقلي الموحد, وهذا محال, لأن هذه الحالة الافتراضية غير موجودة على الواقع الفعلي, إذ تتعدد القراءة الجمالية وتختلف تبعا للمكان والزمان من جهة, وتبعاً للذات المنظورة أي المبدع والعمل الفني الإبداعي, والذات الناظرة أي المتلقية الناقدة من جهة أخرى, وعليه تنفي القراءة العقلية الصرفة للعمل الإبداعي الفني, تنفي الإسقاط الذي يلقيه المبدع على عمله، أو ذاك الذي يلقيه المتلقي, ويتجرد العمل الإبداعي من أدواته التي هي الروح المحرّكة والنفس المحرّضة, وبدونهما يستحيل قراءة العمل الإبداعي, ومنه يكون العمل المتجرد من الروح والنفس مزيّفاً وآنيّاً, وليس له سمة الخلود أو الاستمرار ويكون خالياً من الحس الجمالي الذي يدفع بالعمل إلى الاستمرار للأجيال التي تتفق أو تختلف حول قيمته الفنية, ويكمن سر خلود أعمال الفراعنة الفنية الإبداعية إلى الاختلاف حول أسرارها, وهنا يمكن أخذ القياس ذاته, في فنون الحضارات العالمية في الشرق والغرب, فكان الفن والإبداع الفني في الحضارة الإغريقية - كشأن الفن المصري الفرعوني – نبراساً لحضارات الإنسانية, في حين لم يصل الفن الروماني إلى المستوى ذاته, وقد برر نيرون انسحابه بدون مقابل من الأراضي اليونانية التي احتلها الرومان, بأنهم أي الرومان, يحكمون شعباً أكثر حضارة وقد يذوب السيف الروماني في مياه الحضارية اليونانية, وقد ينسجم القول ذاته مع الفن الايطالي في عصر ما يسمى بداية النهضة الأوربية . يطلق أهل الصوفية, على الإسقاط النفسي أو الروحي, اسم الذوق أو التذوق, ويعتمدون على المجاهدة بالرياضة والتمرين والتدرّج, لتهذيب النفس الأمارة بالسوء والابتعاد بها أو إبعادها عن القبح الموجود بها, لأجل السمو الروحي والوجداني لمحاولة الوصول إلى الكمال المطلق, منه الجمال المطلق من خلال صقل الروح التي هي مكمن الجمال المطلق, ويعتقدون بوجود القبح في النفس وبوجود الجمال في الروح, وبالتالي يكمن الجمال المطلق في الروح والقبح المطلق بالنفس . إذ تقترب الذات المجاهدة من الجمال والكمال, طرداً كلما ابتعدت عن السوء الكامن بالنفس, ويعالج الصوفيون الجمال من خلال نبذ المادة الفانية وتخليد الروح الباقية . تنطلق روح الذات الناظرة, إلى روح الذات المنظورة, في مساحة واسعة من الحب الشامل للأحياء والأشياء, تختلف فيه النظرة والرؤية من ذات ناظرة إلى ذات ناظرة أخرى تبعاً لفلسفة الذات الناظر التي تضفي شيئاً من ذاتها الناظرة - بما فيها من جمال أو قبح - إلى الذات المنظورة من وحدة الوجود أو تعدديته أو الحلول فيه إلى غير ذلك, فتعكسه الذات المنظورة وكأنه موجة صادرة من هذه الأخيرة إلى الذات الناظرة, التي تعتقد – الذات الناظرة وكأنه يصدر من الذات المنظورة, وفي الحقيقة هو الانعكاس المتبادَل بينهما بتأثير كبير من الأولى الناظرة إلى الثانية المنظورة, وبقليل من التأثر من المنظورة إلى الناظرة, عندها تعدد القراءة تبعاً للذات الناظرة, مع ثبات الذات المنظورة من حيث المادة .
فصل (3) نظرة
7- تذوق :
حاول بعض المتصوفة فلسفة الأمر دون استخدام القياس العقلي, في حين فلسفها الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي, عندما أعتبر أطوار المعرفة ثلاثة, الطور الحسّي الذي يكذبه العقل, والطور العقلي الذي يعتمد المنطق مكذّباً الحسّي, والطور الثالث الذي اعتبره الغزالي,
" حاكماً آخر, إذا تجلى كذّب العقل في حكمه",(23) ولعله يعني الروح, أو طور ما وراء العقل والذي يسمى الميتافيزيقية, وبهذا الطور تكمن المعرفة النهائية والكمال المطلق والجمال الحقيقي,كما يراه الغزالي, وقبل الولوج بمتاهة المنزلق الفلسفي الخطر, الذي يقود إلى قضايا تخرج عن مجال هذه الدراسة التي تعني بجمال الشعر, نوضح أن القول هنا في معرض إثبات الفرضية المشار إليها أعلاه دون الغوص في الجانب الديني اللاهوتي والمعاني المرتبطة به أو المفسرة له من جهة, أو الدخول في الجانب الفلسفي الخالص حول الكون والحياة والوجود وما إلى ذلك, إلا بالقدر الذي يحقق الهدف من هذه الدراسة, وما إذا تغطّي الفرضية تلك حالة التذوق ؟ ومن غير الممكن عند القراءة أن ننفي الحالة النفسية كلياً, والتي هي كتلة الأحاسيس المرتبطة بالعقل, وتشكّل الروح حالة, كما تشكّل النفس حالة أخرى, ويشكلان معاً حالة أخرى ثالثة عند قراءة الجمال . في الحالتين: الذاتية النفسية التي افترضناها, أو الصوفية التي أتينا عليها، هي, تكون من حيث النتيجة طرقاً للنظر إلى الجمال, ومن حيث كونها طرقاً, فهي تعدد تبعاً للزمان والمكان, وتبعا للذات الناظرة من جهة, وتبعاً للذات المنظورة من جهة أخرى, وبتعددها كطرق, تختلف بالضرورة, وقد يقود هذا إلى اختلاف في النتائج أيضاً, كان يوسف عليه السلام جميلاً بالمطلق بالنص الديني والنور الإلهي, في حين كان جمال الآخرين نسبياً, تبعاً للذات النفسية الناظرة والمنظورة, وعلى القياس عينه تكون الأعمال الإبداعية الأخرى - من شعر وقصة ورواية ومسرح وغير ذلك - نسبية الجمال, وحتى نتمكن من تحديد نسب الجمال بعمل فني إبداعي إلى آخر, نحتاج إلى قياس عقلي ومنطقي, لأنه من غير الممكن نفي العقل كلياً عند تذوق الجمال, كما لا يمكن الركون إلى استخدام قياس عقلي كليٍ شامل عند تذوق الجمال, لأنه, والحالة هذه, يكون الجمال واحداً في الزمان والمكان, وهذا محال, فالقياس العقلي الشامل, ينسف فرضية التذوق هذه من أساسها. يرى البعض النقد إبداعا جديداً موازياً لفكرة المبدع وعمله, ويرى البعض الآخر أنه – أي النقد – دون الإبداع, ولكن لا تتشكل الرؤية النقدية بدون الرؤية إبداعية الخاصة, ويرى البعض الثالث أن النقد عمل حرفي منهجي ولا يمت إلى الإبداع بصلة بل هو حالة ميكانيكية يقوم الأكاديميون المحترفون به, ومنه يتشكّل السؤال بطريقة أخرى: أين موقع نقد الجمال من الفرضية المذكورة ؟ أو ما دورها - أي الفرضية – في عملية النقد الأدبي وخاصة الشعر؟ كانت رؤيتنا ومازالت تقر بسبق الإبداع على النقد, وأن الأخير يواكب الأول ويوازيه, وغياب النقد الجيد يعني غياب الإبداع الجيد لأن الأخير يفرض ويفرز الأول . سألتُ شخصية مبدعة وناقدة, وكنتُ قد تناولتُ عمالاً إبداعيا لها, بطريق الذوق أو التذوق الفني بالفرضية أعلاه, وتوصلتُ إلى بعض النتائج الخاصة التي أشرتُ إليها بالرمز أنا الأخر, وما إذا كانت رؤيتي قريبة من الذات المبدعة في العمل, فأجابتْ: كانت القراءة الجمالية التي أتيتَ عليها, كانت انعكاساً للبيئة الذاتية على النص المدروس, ولم أطلب المزيد من الإيضاح آنذاك, ولعلها قصدتْ بيئة الناقد أو الدارس على النص المدروس, أي إسقاط بيئة الذات المتلقية على العمل الإبداعي, وأضيفُ, يشمل الإسقاط هذا البيئة الجغرافية والاجتماعية والنفسية, بعملية تبادلية بين الذات المتلقية من جهة, والذات المبدعة من جهة أخرى, إذ لا بد من قراءة بيئة المبدع, إضافة لبيئة المتلقي, من أجل فهم أفضل, وتفسير أجمل, للعمل الإبداعي . قد تتفق مع هذه النظرة الذاتية للعمل الفني والإبداعي, كما قد تختلف, وبين الاتفاق والاختلاف, تكمن الحقيقة التي لا تخرج عن حرية الرأي والرأي الآخر, وتشكّل الموضوعية شرطاً جوهرياً في الأبحاث العلمية والدراسات المنهجية, ويفترض البحث العلمي الموضوعي تجنب العواطف الجيّاشة والذات, بغية الوصول إلى الحقيقة التي هي هدف البحث, يفترض العامل الموضوعي الاهتمام بالذات المبدعة, أو بمعنى أكثر وضوحاً, الاهتمام بالبيئة الذاتية للمبدع, تلك البيئة التي انطلق منها العمل الإبداعي وخرج إلى النور, والتي ثبتها في نصه الإبداعي, أو عمله الفني, لهذا تستمد القراءة الذاتية للعمل الإبداعي وجودها من جوانب ثلاثة مجتمعة أو منفردة, الأول, جانب الذات الناقدة أو الدارسة المتلقية, والثاني, جانب الذات المبدعة والثالث, جانب العمل الإبداعي نفسه, وفي هذا الأخير لابد وأن تجد فيها ذاتك أو ذات المبدع بالضرورة، وعليه تبدو الذات بارزة في النقد الأدبي, مهما حاولنا تغييبها, وفي بروزها يكمن ضعف الجانب الموضوعي بالعمل النقدي, أو غيابه كليّاً , وبهذا الضعف أو الغياب ينفي المنهجيون الصفة العلمية عن القراءة النقدية للإبداع والجمال . أقول: يمكن أن أطلق على القراءة الذاتية, أو تذوق العمل الإبداعي والفني, نقداً بالمعنى العام والشامل, لأنها, أي القراءة, ترتبط – أي النظرة الذاتية للعمل الإبداعي- بالحب أو الكره, ولهذا العنصر النفسي, الأثر الواضح, في هذه الطريقة, بنقد جمال الفن والإبداع, ويتفوق الجانب الذاتي على الجانب الموضوعي, ويظهر التفوق جلياً, في النصوص الأدبية عامة, وفي النصوص الشعرية خاصة, وأقل بروزاً, في قراءة اللوحات الفنية وأعمال النحت, وتبرز حال الذات النفسية للعين القارئة والدارسة الناقدة, تجاه الموضوع الإبداعي صارخة, في الرسوم والصور الشخصية, قد نؤيد فرضيتنا هذه بأدلة من الفكر القديم الحديث وقد يسعفنا المتصوفة بما يعزز نظرتنا إلى نقد الجمال . يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف وضع النقاد نظرياتهم والتي أصبحت مدارساً أدبية ؟ أقول جواباً على ذلك, لقد وضعوها بنظرة ذاتية أولاً, وحاولوا تطبيقها على الأعمال الفنية الإبداعية ثانياً, ثم القياس بموضوعية بالتطبيق ثالثاً, وتأتي المرحلة الرابعة والأخيرة كمحاولة لرفع التطبيق الموضوعي إلى مستوى القانون النقدي الثابت للقياس عليه .
8- محبة :
أما والأمر كذلك فبوسعي أنا الأخر وضع نظرتي في بداية الطريق، فمن الذي خول الآخرين حق وضع الفرضيات سوى أنفسهم, ويمكنني أنا الآخر الاسترشاد ببعض التجارب السابقة, والأفكار القائمة بما يدعم نظرتي، وأقدّم شهوداً لا يتطرق الشك إلى صحة أقوالهم في مجال عملهم، وقد أسستُ فرضيتي, على أساس نفسي, يقوم على الحب أو الكره, كنقيضين . قال أفلاطون في جمهوريته، " إن أجمل الأشياء أحبها إلى القلب ", وأضاف في موضع آخر بان الأجمل والأكثر جمالاً " الجمع بين جمال الظاهر وجمال النفس الباطن " . ويجمع أفلاطون بين الحب واللذة والمتعة حيث يقول: " إن أعظم لذة هي التمتع بلذة الحب" ويبرهن على نظريته تلك أو يفسرها بالقول: يعجب "محبي النظر والسمع.. بالجميل من الأصوات والأشكال والألوان والصور وكل ما دخل في تركيبة هذه الأشياء من منتجات الفن " فان فهموا أصل الجمال كان حبهم له قائماً على المعرفة, وان لم يفهموا ذلك كان حبهم قائماً على التصور, ويكون أفلاطون أكثر وضوحاً بقوله: " إذا أدرك امرؤ وجود الأشياء الجميلة ففهم الجمال المطلق وامتلك قوة التمييز بين جوهر الأشياء التي يتجلى بها سميناه عارفاً لأنه أدرك الحقيقة, وأما إن جحد الجمال المطلق وعجز عن إتباع إدراكه سميناه متصوّرا "(24) . يقوم الجمال على الحب, فان فهم المتلقي أصل الجمال قام حبه للجمال على المعرفة، وان لم يفهم هذا الأصل, قام حبه على التذوق, وفي الأمرين: المعرفة أو التذوق يكون الحب وسيطاً ضرورياً لا يقوم الجمال بدونه, وقد يقترب, إلى درجة التطابق الكامل, الرأي المذكور لأفلاطون, قد يقترب من آراء بعض فلاسفة المتصوّفة في العصر الإسلامي مثل ابن طفيّل والغزالي, حول ارتباط الجمال بالحب والمعرفة من جهة, أو بالحب والذوق من جهة أخرى . يوضّح المفكر الصوفي ابن طفيّل في قصة أو رواية حيّ بن يقظان, يوضح الطريق الصوفي, والمنهج العقلي, للوصول إلى الحقيقة المطلقة، أو الجمال المطلق والكمال النهائي, عن طريق الرياضة الروحية, والتذوق الذي يرتفع ويتصاعد بمراتب المحبة, ينشد من حيث النتيجة النهائية, الحقيقة المطلقة, وتبدو رواية أو قصة حي بن يقظان, مثالاً صوفياً للوصول إلى الحقيقة, عن طريق العقل, دون تبلّغ رسالة سماوية بالوحي, ويتطابق لديه المعقول بالمنطق, مع المنقول بالوحي, من حيث النتيجة لجهة الوصول إلى الحقيقة المطلقة, من خلال تتبع رواية صوفية فلسفية متخيلة(25). ويرتب الغزالي, مراتب الصوفية, حيث يضع الطهارة أول مراتبها, مروراً بطريق المكاشفات, والمشاهدات, والصحبة, وحسن الظن, والعشق, وينتهي الأمر إلى قرب تتخيّل الذات الصوفية, وهي مخطئة , طائفة, منهم الحلول, وطائفة أخرى الاتحاد, وطائفة ثالثة الوصول, وآخرها الفناء بالكلية بالله, وهذه الحالة " يتحقق منها بالذوق من يسلك سبيلها, فمن لم يرزق بالذوق, فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم." (26) …إلى آخر ذلك, وقد يصل الصوفي للمرتبة التي يرغب وينشد, وقد لا يصل وفي الحالة الأخيرة قد يخالطه الندم لعدم فوزه بالمرتبة التي يريدها, أو يكون ندمه ناتجاً من عدم رضاه عن منزلته, ولم يكن الحديث عن الصوفية, والفكر الصوفي هنا, إلا في معرض الاستدلال على الفرضية التي أتيت عليها . يقدّم شعر الغزل الصوفي, الكثير من الحالات, التي تؤيد ما نرمي إليه, ولا يتسع المقال والمجال للحديث عن جميعها, وأتقدم بعلمين بارزين, وبإيجاز شديد, من أعلام الشعر الصوفي, وقع الاختيار عليهما بطريق التذوق, مع عدم التقليل من شأن الأعلام الأخرى في الفكر الصوفي, الأول, هو السهر وردي الشافعي المذهب, أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك, الملقب شهاب الدين, نشأ في مراقة وعاش بأصفهان ثم في بغداد وانتقل إلى حلب, أُتهِمَ بفساد العقيدة وأفتى العلماء بإباحة دمه, وسجنه الملك الظاهر في قلعة حلب وخنقه فيها عاش بين(549و587هجري- 1154و1191ميلادي) كان دميم الهيئة محتقر المظهر, اشتهر كفيلسوف, وشاعر ناثر, وفقيه متكلم, وأصولي . والثاني, هو ابن الفارض الذي أتينا على ذكره في المقدمة . يتفق - في كثير من الأحيان - الفكر الصوفي, مع فكر أفلاطون, حول علاقة الحب بالجمال أو العكس, ومدى ارتباطهما معاً بحالة التذوق . إن الذات الصوفية- المحبة والعاشقة – جميلة ومشرقة, من أعماق نفسها وروحها, وأسقطتْ جمالها الداخلي وإشراقها الخارجي على المحبوب, فنظرتْ إليه فغدا معروفاً بها كما هو معروفاً بجماله, ويصح العكس أيضاً, ولم تتمكن الذات غير الصوفية من الإسقاط الجمالي منها أو عليها, وبالتالي لم تتمكن من التقاط عناصر الجمال الروحي والمادي, ولهذا السبب ربط المتصوفة بين الحب والجمال من جهة, وبين المعرفة والحب من جهة ثانية, وكان ابن الفارض الأكثر وضوحاً في الربط والتداخل بديوانه, وهو الذي تدرج بمراتب الصوفية, حتى أطلق عليه البعض لقب سلطان العاشقين وإمام المحبين, ومن المفيد التوضيح بأن الغاية هنا هي البحث في المقصد الجمالي للنقد الأدبي الإبداعي عامة والشعر الصوفي خاصة وبعيداً عن حالاته الدينية, ودون الدخول بالتأويل الديني الظاهري منه أو الباطني .
يقول السهر وردي:
لا يطربون لغير ذكر حبيبهم أبداً فكل زمانهم أفراح
ركبوا على سفن الوفا ودموعهم بحر وشدة شوقهم ملاح (27)
ويقول ابن الفارض:
فدعني ومن أهوى فقد مات حاسدي وغاب رقيبي عند قرب مواصلي
فلله كم من ليلة قطعتها بلذة عيش والرقيب بمعزل
ونقلي مدامي والحبيب منادمي وأقداح أفراح المحبة تنجلي
كما يقول وان لم يكن قوله هذا موضع إجماع, كما لم يكن موضع شك أيضاً :
وأباح طرفي نظرة أملّتها فغدوت معروفاً وكنت منكرا
فدهشت بين جماله و جلاله وغدا لسان الحال عني مخبرا
فادر لحاظك في محاسن وجهه تلقى جميع الحسن فيه مصورا(28)
ويفصح المفكرون أن عن أقوالهم, ويمكن أن أورد البعض منها: إذ يميل توفيق الحكيم إلى وجود الشعور الذي يسبق المعرفة, ولعله يقترب من الفكر الصوفي بعض الشيء بالشعور, ولعل هذا الأخير قريباً من الذوق أو التذوق أو الذائقة, وهل تكون الذائقة إلا شعوراً, وهل يكون الشعور إلا ذائقة ؟ أو على الأقل أحدهما يستغرق الآخر .
9- تأمل :
وعليه " يبحث الفنان عن أسلوبه إلى أن يجده فيصبح سجين ذلك الأسلوب إلى الأبد ", وكما يقول توفيق الحكيم, " يبدع الفنان الحقيقي بدافع تحقيق ذاته, من خلال متابعة التطورات والتغيرات التي تحدثها ملكاته,… ويخطئ المجتمع دائماً في فهم الفنان, كلما أراد أن يطبق عليه قانوناً ثابتاً ", ويقر الحكيم بالشعور الذي يسبق الفكر, وأن الأخير يسبق العمل وبالتالي " يشعر الإنسان أولاً, ثم يفكر ثانياً, ويعمل ثالثاً "(29), ولم يوضح الحكيم قصده "بالعمل" ومدى شموله للعمل الإبداعي أم لا, ومهما يكن من قصد الحكيم, يختلف البعض معه بالفكرة وبجوهر الفلسفة الوضعية المادية منها والمثالية, ويرى بسبق العمل التي تنشأ المعرفة منه, وأُثيرَت الحجج والبراهين على كل قول. ولم يكن المجال مناسباً للحديث عن هذا الموضوع وعن الآراء التي أُثيرَتْ حوله . و بكل تواضع يقول ت.س إليوت: " تعود قيمة مؤلفاته إلى أنه كتب دون أن يكون مضطراً إلى إرضاء أحد غير نفسه " ويضيف " يتطلب التفكير اللاهوتي الصحيح الدعة والتأمل"(30), ونحن نقول : يتطلب الإبداع الإنساني العظيم الدعة والتأمل, وليس التأمل حاجة للتفكير اللاهوتي فقط . نبعتْ الأفكار الخالدة التي غيرت مجرى التاريخ, نبعتْ, من التأمل الطويل, الذي يعطي صاحبه أبعاداً كبرى, لا يدركها الإنسان العادي, ويتفق الصوفيون, مع إليوت, في فكرة التأمل, التي يستند إليها, ألم تكن الخلوة تأملاً ؟, وهل يكون التأمل بدون خلوة ؟, لقد أيدتْ أقوال أفلاطون, و فلاسفة وشعراء الصوفية, وتوفيق الحكيم, و إليوت, أيدتْ تلك الأقوال : الفرضية التي أتيتُ عليها, حول قراءة الجمال بين الناظر والمنظور, وعليه نقول: تتكون عملية نقد الفن ونقد الجمال من عناصر ذاتية وأخرى موضوعية, وهي في عملية فكرية متفاعلة بالضرورة, إذ لا يمكن أن يقوم نقد الجمال بدون أساس فكري ومنطقي, ولكنها - أي العملية النقدية - ليست فكرية خالصة. وقد يسأل متذوق الفن و منتقده, السؤال ما إذا شكّل ويشكّل - نقد الجمال والفن – علماً أم فناً ؟ . ويكون الجواب من السهولة بمكان بجمع العلم والفن في العملية النقدية والقول: يكون النقد عِلماً وفناً . هو علم على عموم اللفظ, من حيث اعتماده على المنهجية العلمية والموضوعية واعتماده على المدارس النقدية, ويعتبر النقد فنا, من حيث اعتماده على الأحاسيس الداخلية والذائقة الذاتية للذات المبدعة والذات المتلقية والناقدة, يبدو الجواب مقبولاً ومنطقياً وبسيطاً بآن واحد . يشبه هذا التحليل النقدي, يشبه التحليل الصحيح لحركة المشي على القدمين, ويضطرب الإنسان ويتعثر بالسير عندما يفكر بها, مثله كمثل الذي يحلل عملية مضغ الطعام, يغص ويصعب عليه الابتلاع والمضغ عند التفكير بالعملية, مثله كمثل صوفي صاحب لحية كثة وطويلة وقد سأله أحد مريديه أين يضع لحيته ليلاً في الشتاء البارد, فوق الغطاء أم تحته ؟, فأجابه الشيخ بعد صلاة فجر اليوم التالي بالقول : يا بني أفسدتَ عليّ سعادتي ونومي, أضعها فوق الغطاء فأبرد, وأضعها تحته فأتعب, اذهبْ عني واعبد ربك ولا تفكر بلحيتي . ومهما يكن من أمر هذا التحليل, حتى لو أدى إلى تعثر المشي أو تعسر المضغ أو إلى الإرباك الذاتي, فهو- أي هذا الأمر - الحالة العلمية الصحيحة, وسنعرض نظرتنا التحليلية والتركيبة التي تتفق مع فرضيتنا وتكملها, فنقول : الكمال المطلق, ومنه الجمال المطلق لله وحده, وقد يكون الجمال المطلق بالنص الديني, أو النور الإلهي دون الدخول بالمعنى الديني الصرف, وعلى هذا الأساس يتوجب الكمال المطلق, والجمال المطلق, في الفن بشكل عام, من الناحية النظرية على الأقل, وبالتالي يتأسس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ