Yahoo!

كتاب الواحة/5 مدخل إلى الشرق/2

كتبها خلف المجدمي ، في 10 كانون الأول 2010 الساعة: 09:33 ص

 

كتاب الواحة /5
الرقة / ربيع / 2011
________________________________________________________
خلف المجدمي
مدخل إلى الشرق /2
 
 
 
 
 
 
 
مدخل إلى الشرق/2
 
 
( التجريبية لموافقة الطباعة والإيداع والتداول / 100 نسخة كانون الأول / ديسمبر /2010 )
 
المحامي
خلف محمد الخلف (المجدمي)
الرقة ص ب 135: - سورية
تلفون :    233413 - 00963- 22
242504             - 00963 - 22
موبايل:    092 90 77 5300963-
- ص ب 135 – الرقة   –   سورية
 
E- alwaha97@gmail.com
 
رابط الدراسة على الانترنت : مدونة نقد الابداع
http://klfalmjdmi.maktoobblog.com/  
 
كتاب الواحة /4- آفاق في الشرق
 
(زمن الانتهاء من كتابة المخطوطة 28/ 2/1999)
 
مخطط الدراسة
 
مقدمــة :
الفصل1:/ أزمات /1) تشخيص, 2) جسر, 3) تنمية ,4) دين,5) إسرائيل,6) نهاية .
الفصل2: /أعماق /7) توضيح,8) أكراد,9) أرمن,10) مقاربات,11) أدوار,12) أبعاد .
الفصل3:/ آفاق/13)كردستان,14)مدريد,15) صراع,16)عفوية,17)جغرافية,18) تاريخ. الفصل4:/ تداخلات/19)قوى,20)سكان,21)فلسطين,22) سلام,23)حرب,24) مصالح . الفصل5:/استشاريون/25)قادة,26)مؤسسون,27)محترفون,28)منظرون,29)أقوال,30)تعددية.
خاتمة :
 
 
الإهداء
إلى الذي وقف شامخاً في وجه الطغيان
 
مقدمـة 
         انتهيت تواً من كتابة آخر فصل في هذا البحث، كانت جنازة الملك حسين بن طلال بن عبدالله بن الحسين، ملك الأردن محمولة على عربة مدفع، كنت أرقب الجنازة والموكب،  بالمراسم الملكية، صعد الأمير عبد الله بن الحسين الذي تولى ولاية العهد منذ زمن قريب، صعد عرش الأردن خلفاً لوالده الذي توفاه الله, وتسارعت الأحداث, ومازالت الأسباب التي أبعدت ولي العهد السابق الأمير حسن غامضة " وقت كتابة الدراسة " ، وظهر الأخير واجم القسمات، من الصعب إن لم يكن من المستحيل قراءة تعبير وجهه, فيما خلا الحزن العميق، والصعوبة الأكبر محاولة معرفة ردود الفعل القادمة حول مستقبل الأردن في العقد القادم، أو حتى في السنوات القليلة القادمة, يبدو مستقبل المملكة الأردنية مرتبطاً بمصير المنطقة برمتها، والعكس يصح هو الآخر, تأملت الحدث بنظرة هادئة مع محاولة لرسم الأبعاد العميقة والبعيدة، من خلال قراءة الماضي مروراً إلى الحاضر ولوجاً إلى المستقبل، من خلال الكلمة, بدأت التحولات في المنطقة منذ بداية القرن العشرين، وعلى وجه الدقة واليقين، منذ نهاية القرن التاسع عشر, عشية ظهور مبدأ القوميات في الشرق، وبداية مؤتمر بال في سويسرا عام 1897، وتداعت بسرعة متناهية، وبدأت فكرة القومية التركية في الظهور، وسارت القوميات الأخرى على ذات النهج، وحاول يهود العالم إيجاد قومية خاصة بهم, في رقعة جغرافية محددة, على أساس من فكرة دينية تاريخية مروجة آنذاك, ساهم الإعلام اليهودي في اختلاقها, وتصديقها, وتوزيعها, والعمل من أجلها, والقتال لتحقيقها, واتجهت أنظار الصهيونية واليهود إلى فلسطين, وتفاعلت هذه الفكرة في مؤتمرات غربية، وأهمها مؤتمر لندن عام 1907حول كيفية الحفاظ على الإمبراطورية البريطانية من الزوال، ومن أهم توصيات المؤتمر، فصل كل من العرب والمسلمين في آسيا عن هؤلاء في أفريقيا عن طريق زرع جسم بشري غريب عنهما يؤدي إلى الفصل الجغرافي, ومنه التمهيد لإصدار وعد بلفور فيما بعد عام 1917وقضية الانتداب الغربي في المنطقة، واتفاقية سايكس بيكو, كأهم حدث تاريخي جغرافي, ترك بصماته على المنطقة لعدة قرون قادمة, ولم يكن يوازيه إلا معركة مرج دابق, في شمال سورية قبل أربعة قرون خلت، سابقة على اتفاقية سايكس بيكو، عندما تغيرت الجغرافية البشرية, كما تغيرت الجغرافية السياسية, بدخول القوات العثمانية آنذاك إلى المنطقة, فجاء وعد بلفور بصيغة مبهمة غامضة, حيث أشار إلى وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان على المنطقة أن تنتظر نصف قرن, حتى يظهر المعنى الحقيقي لمدلول الوطن القومي لليهود وذلك عام 1947, وسيتضح ذلك أكثر بعام 1967, ومالتْ التحولات السياسية في المنطقة لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع القسم الثاني من القرن العشرين, بسبب خروج هذه الأخيرة من الحرب العالمية الثانية, منتصرة عسكرياً واقتصادياً، وكانت أوربا بالرغم من الانتصار العسكري، مهزومة مادياً ونفسيا ًومالياً واجتماعيا, وساهم مقر الأمم المتحدة في الولايات المتحدة الأمريكية في دعم مركز هذه الأخيرة، لا أستطيع أن أجزم بأن هناك مخططات كانت مرسومة للمنطقة, في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن الأحداث التي تسارعت في بداية الخمسينيات من القرن العشرين, تشير إلى عدم العفوية في هذه الأحداث، وربما أشارت إلى هذه الأحداث من وجهة نظر الجغرافية السياسة على الأقل, ففي مطلع عام 1951سقط الملك عبد الله بن الحسين آنذاك صريعاً, وفي سرعة عجيبة تداعت الأحداث وتوالتْ, بعزل الأمير طلال بن عبد الله,  ليصعد ولده الحسين البالغ من العمر سبعة عشر عاماً عبر مجلس وصاية مؤقت، يصعد عرش الأردن، في ذات الوقت صحب الأمير عبد الإله, وصي عرش العراق, صحب الملك الصغير فيصل الثاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1953في زيارة رسمية, وهي الأولى من نوعها في المنطقة, وفي غمرة الأحداث تزعزع عرش إيران, تحت ضغط القوى الوطنية الإيرانية التي يتزعمها محمد مهدي مصدق, الذي رأس الحكومة الإيرانية منذ عام1951حتى عام 1953بمدة لا تزيد عن سبعة وعشرين شهراً, معلناً خلاها الحكم الجمهوري في إيران, وتزامن ذلك الوقت مع وقت إعلان الحكم الجمهوري في مصر, وتأرجحت الثورة المصرية آنذاك بين الاتجاه الغربي الليبرالي من جهة، والاتجاه الشرقي الاشتراكي من جهة أخرى، حيث استقرت في النهاية إلى هذا الأخير, عندها وقعت أحداث ومعارك السويس عام1956, بذات الوقت عاشت سورية سلسلة انقلابات, ولم يحسم مصدق الموقف حسماً نهائياً خلال سبعة وعشرين شهراً تقريباً، ولكنه خلع شاه إيران آنذاك محمد رضا بهلوي, وسار بخطوات حثيثة لإعلان الجمهورية الإيرانية، في الوقت الذي تمكن فيه الجنرال فضل
الله زاهدي الذي وزيراً للداخلية الإيرانية آنذاك في حكومة مصدق، من إبعاد مصدق من الحكم وأعاد الشاه المخلوع, أعاده إلى عرشه, كان العرش الملكي المصري هو الأخر كان في طريقه إلى الزوال, فقد بدأت التحولات الراديكالية في مصر,  وتوجت بحدث الثورة المصرية في يوليو عام1952، وانتهت بإعلان الحكم الجمهوري في مصر وخلع الملك فارق  العرش, نفذت الولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة العرب وجوارهم، في الوقت الذي تقلّص النفوذ البريطاني فيها, وعاشتْ منطقة الخليج العربي وشبه جزيرة العرب مرحلة الغزل الخفي مع الولايات المتحدة، ومال الاتحاد السوفيتي بعد وفاة ستالين إلى فكرة الامتداد السياسي إلى المنطقة، وحثّت الولايات المتحدة الأمريكية خطاها إلى هذه البقعة الجغرافية من العالم والتي سيظهر لاحقاً بأنها أغنى بقعة في الكرة الأرضية بموارد النفط, وظهرت تحولات إمارة الشارقة جلية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين في المنطقة، فقد تولى الشيخ صقر بن سلطان القاسمي إمارة الشارقة عام1951، وعزل عنها عام 1958 بسبب من توجهاته السياسية آنذاك، يبدو أن تلك الإمارات في الطرف الشرقي من الخليج العربي لم تأخذ شكل الدولة بعد، فيما خلا المملكة العربية السعودية التي أخذت شكلها الحالي منذ بداية خمسينيات القرن العشرين, وإن كانت جميعها في طريقها إلى تكوّن الدول, هذا في الأمس البعيد, ويبدو الأمس القريب هو ذاته البعيد, ففي الربع الأخير من القرن العشرين بدأت التحولات السياسية في المنطقة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى، وانتهت بخروج كل من إيران والعراق من تلك الدوامة الولايات المتحدة، ومالت الإمارات العربية المتحدة إلى سياسة معتدلة مٌستقلة، بتوجه وتوجيه عربي وإقليمي متزن ومتوازن، فهي لم تنجرف في حرب الخليج الأولى كما إنها لم تنجرف في حرب الخليج الثانية، وقد حاولت الإمارات العربية المتحدة أن تخرج بمعادلة سياسية صعبة،إيران والعراق في الأولى، والكويت والعراق في الثانية، وقد كانت هذه المعادلة الأخيرة من الصعوبة بمكان كما سيظهر لاحقاً، ونجحتْ معادلتها تلك بعض النجاح, في الوقت الذي عانت القيادة السورية من معادلة حرب الخليج الأولى، وكانت المعادلة الثانية العراق والكويت، من السهولة بمكان لديها, وتقاربت بعض وجهات النظر السورية من جهة، والإماراتية من جهة أخرى حول إدارة تلك المعادلة الأخيرة, تبدو دورة نصف قرن, في التحولات الكبرى بمنطقة العرب وجوارهم,  تبدو جديرة بالملاحظة الآن, فبين أول مؤتمر صهيوني عام1897من جهة وأول تواجد صهيوني حقيقي على أرض الواقع الدولي بعام التقسيم 1947من جهة ثانية نصف قرن،   وبين وعد بلفور1917م وهزيمة حزيران1967نصف قرن، وبين قيام إمارة شرق الأردن عام1920م وأحداث أيلول الأسود فيها1970نصف قرن، وبين مؤتمر لندن عام 1907حول الشرق ونهاية حرب السويس عام 1956نصف قرن أيضاً، وبين المؤتمر القومي العربي الأول في باريس عام 1913برئاسة عبد الحميد الزهراوي وهو سوري الجنسية، وبين سيادة فكر المؤتمر إلى حزب قومي عربي يحكم عام1963 بكل من العراق سورية نصف قرن هو الأخر، وبين صعود نجم أسرة آل بهلوي إلى عرش إيران1925م، وأفول نجمها عام1975بداية توقيع اتفاقيات شط العرب نصف قرن، وبين عام التقسيم1947وقيام سلطة الحكم الذاتي عام 1997بممارساتها العملية نصف قرن أيضاً, وبين أول انقلاب عسكري بقيادة حسني الزعيم عام1949،وعامنا هذا 1999نصف قرن أيضاً " زمن كتابة البحث ", وبين انطلاقة الثورة الجزائرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وذلك عند تأسيس جيش التحرير الجزائرية عام1946وتحول ثورة الجزائر إلى حروب داخلية دموية مخيفة نصف قرن أيضاً, تعيش منطقة العرب وجوارهم الآن " زمن كتابة البحث " تهيش مرحلة الدخول في أبواب التحولات العميقة في البيئة الداخلية العربية من الناحية السياسية، ويبدو أنها تسير في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية كقطب أوحد في قيادة العالم حالياً، نحو الاقتصاد الحر، ونحو الليبرالية في كل شيء، ولعل المنطقة في طريقها إلى قبول ذلك, أمام فشل حلول الاقتصاد الاشتراكي الموجه والمقيد, في مختلف بلدان العالم العربي والعالم الثالث, فلم يعد من جدوى للقول عن غاية البحث أو غاية العمل إنه الهاجس الذاتي أولاً وأخيراً, وأنه من المفيد استعراض البحث بإيجاز شديد, تناولتُ الأزمات بشكل موجز وبكثافة مركزة، موضحاً الأزمات الداخلية والخارجية والسياسية والتجارية والحضارية والدينية، من خلال الجواب على أسئلة عامة في الذهن، عن نهاية هذه الأزمات، في سؤال أعم واشمل، ما نهاية الصراع العربي الإسرائيلي في المنطقة في الأفق المنظور، أو غير المنظور ؟ وركزتُ على أعماق في هذه الأزمات محاولاً تعريف الأعماق في التاريخ والجغرافية التاريخية والبشرية ولوجاً إلى أعماق المجتمع، فقضايا العرب وجوارهم في المنطقة, والأرمن والأكراد والأتراك كتعايش ،والشيوعية من جهة والعالم الرأسمالي من جهة أخرى، والخليج العربي وإيران، ووجود الاحتلال في فلسطين, وغير ذلك, فلكل واحدة من هذه القضايا أعماقها الخاصة، حاولتُ أن أسقط على الأكراد أعماقاً جغرافية وبشرية وتاريخية واجتماعية وسياسية، وربما نالت مشكلتهم أو أزمتهم أو قضيتهم "أطلق التسمية التي تريد منعاً للاختلاف حول المفاهيم " الاهتمام الأكبر في بداية القرن القادم، " القرن 21 ", مع بعض المقارنات والمقاربات, وحاولتُ النفاذ إلى مستقبل هذه الأزمات في صيغة عامة تستند إلى التنبؤ, ومحاولة النظر إليها من وجهة نظر إستراتيجية بعيدة المدى ما أمكن، وفي توضيح للتداخلات التي ترافق الأزمات في بعض الأحيان، والتي لم تؤخذ في الحسبان وقت الأزمة، كما درست القوى العميقة المؤثرة في رجل الدولة ومدى تأثير رجل الدولة بها, وتناولتُ دور المستشار في فن قيادة الدول والمجتمعات وما هي المساحة الحقيقية التي يتمتع بها المستشار إلى جانب القادة، محاولاً الولوج إلى التاريخ للحصول على أدلة وشواهد إثبات لوجهة نظر، أو لنفي وجهة نظر أخرى، دون إغفال الدور الحقيقي للقضايا الساخنة، أو القضايا المعاصرة والتي تلعب دوراً في توضيح قدرة المستشار للتعامل معها غلب الطابع التأملي على البحث وحاولت الإقلال من الهوامش والمراجع وأشرتُ  إليها, يبدو العمل بحاجة إلى المزيد من التوضيح أو المزيد من المعلومات والاستدلالات، كما تبدو الأفكار وكأنها مبتورة، وعذري كوني من الهواة في البحث في التاريخ عامة والتاريخ السياسي خاصة، أي من هواة قراءة الفكر السياسي وقراءة الأدب، وأن الهواية دون مرتبة الاحتراف ولا يطبق عليها قواعد الاحتراف أو التخصص الأكاديمي, ومن البلاغة أن توجز فكرتك, كما إن ردود الفعل بين مؤيد لهذه الفكرة أو مناهض لذاك الرأي تعطي الإيجاز لوناً جديداً، فالمواربة هنا والصراحة هناك، تحفز المتلقي لطلب المزيد لتأييد وجهة نظر أو لنفيها، ولعلها, أي الدراسة, الشرارة التي توقد فيك اللهيب البحث والمتابعة ،لتشهر رأيك مدافعاً أو مؤيداً أو مُبدياً وجهة نظرك المستقلة بعيداً عن الرفض أو التأييد, وتعيد حساباتك مع نفسك ولعل رأيك المستقل يعيد لي حساباتي أنا الأخر، ليس قولي هذا وبكل تأكيد ليس بالحجة القاطعة، ورأيك ليس بالبرهان النهائي، والقول الثالث لا يعني التقوقع، وقد تشكّل كل الآراء في اتفاقها واختلافها قد تشكل شيئاً باتجاه اليقين، ولكنها بكل حال ليست هي اليقين كله, فأنا وأنت والآخر والآخرين لا نملك كل الحقيقة, يظل الحكم للتاريخ والأجيال دائماً, مازال الخلاف حول الثورة العربية الكبرى عام1916قائماً وحول قائدها فيما إذا كان محقاً فيها أو مخطئاً ؟ ومازال الخلاف في فرنسا حول استسلام القائد بازين في حرب عام (1870 ) ما إذا كان يخون بلاده، أم أجتهد فأخطأ ؟ وأمثلة كثيرة حول ذلك أعيد القول بأنني نصف موضوعي ونصف ذاتي في هذا البحث فكن أنت صديقي المتابع موضوعياً بالمطلق .
 

الفصل :1/ أزمات
 
1ـ تشخيص: (1)
   يضع الباحث تعريفاً للعنوان المدروس موضوع البحث أو الدراسة, كأول مرحلة في بحثه ثم ينتقل إلى الموضوع, ولكن تعريف الأزمة متشعب, ويُدخل الباحث, والمتلقي أيضاً بمتاهة, لهذا سأتجنب ذلك وأفترض وضوح ومعرفة تعبير الأزمة, وبالتالي فالمعرّف لا يعُرّف, ومن هذه الزاوية يمكن أن أدخل في التشخيص للأزمات, لقد ظهرت الخلافات الكبيرة حول أسباب قيام الحرب العالمية الأولى، والأزمة الحقيقية التي أشعلتها, وخصوصية تلك الحرب، ولم يتفق قادة العام في فرساي 1919حول ذلك, وكانت خلافات كبيرة في الرأي, حول إمكانية منع مثل هذه الحرب في المستقبل القريب آنذاك, أو البعيد, في ذلك الحين, وظل الخلاف قائما حول إمكانية وقوع حرب كونية أخرى إلى يومنا هذا,                                                                                                      
 يُقصدهنا الأزمات العربية \ العربية التي نادراً ما يخلو منها مجتمع عربي تجاه مجتمع عربي آخر، وهذا الأمرٌ الواقع مرٌ ومرير بآن واحد, ويقود إلى اليأس و الإحباط والتشاؤم، ولا يؤدي إلى الموت والدمار، وتتداعى هذه الأزمات العربية \ العربية وتتهدم جدرانها الهشة عند الأزمات العامة، لتشكل مع جدران وخطوط العرب الأخرى خطاً فاصلاً تجاه الآخر، ولم تتمكن الأزمات العربية \ العربية أن تتجاوز المذهبية الدينية، أو المذهبية الفكرية السياسية, لدى بعض الفئات الحاكمة . وأورد الشواهد الكثيرة على تهدم جدران الأزمات بالأوقات العربية العصيبة, مثل حرب السويس (1956), وحرب رمضان (1973), وحرب حزيران(1967), وسواها من الأزمات والحروب والكوارث، ومن الجدير ذكره الموقف شبه الموحد تجاه سياسة رئيس حكومة العدو الصهيوني نتنياهو المتشددة تجاه عملية السلام كدليل حاضر " زمن كتابة البحث "، وأشير بهذا الشأن إلى ردم متكرر للخلافات السورية \ المصرية من أجل موقف عربي موحد تجاه قضايا العرب القومية والمصيرية, هذا ويمكن أن أورد المزيد من تهدم الحواجز العربية \ العربية تجاه القضايا القومية والمصيرية الكبرى في التاريخ العربي, مثل حرب الخليج الأولى, وحرب الخليج الثانية، وأزمة منظمة التحرير الفلسطينية بالأردن، أو بعض أزماتها في كل من سوريا و لبنان وغيرها, ويمكن القول بوجود أزمات آنية سريعة تنتهي في نهاية الموقف، وهناك أزمات طويلة ومستمرة ومزمنة في هذه المنطقة، نحن نقول : توجد الأزمات في أي مجتمع أو تجمع بشري، أو حضاري، في كل زمان ومكان، وتوجد الأزمات مع الذات والجوار والغير، لقد عاش المجتمع الأمريكي هذه الأزمات مع كوبا، وكندا، ودول مجاورة أخرى في القارتين الأمريكيتين، كذلك حال الصين مع الروس والاتحاد السوفييتي سابقاً, والهند, وأعيد القول، توجد الأزمات في كل زمان ومكان, وليست محصورة في السياسة الدولية، أو الاقتصاد الدولي، بل في النشاط التجاري والثقافي الذي يميل إلى امتدادات دولية من أي نوع, سواء أكان ذلك الامتداد في الغرب أو في الشرق، في الشمال أو في الجنوب، في الدرجة ذاتها, يكمن الاختلاف بين هذه الأزمات في الطبيعة والخصوصية لكل تجمع بشري, في حيّز أو في إقليم جغرافي معين, تتذرع ما تُُسمى إسرائيل بعدم وجود أزمات داخلية في مجتمعها، إلا آن اغتيال رئيس مجلس وزرائها في فترة سابقة, دليلاً على وجود الأزمات لديها, كما تنفي الولايات المتحدة وجود أزمات داخلية في مجتمعها، وتمرد السود في الولايات المتحدة يشير إلى وجود أزمات داخلية في هذا المجتمع، وقمعت أمريكا تلك الأزمة في منتهى الشدة والحزم, والقسوة أيضاً، وبما لا يتفق وحقوق الإنسان التي  تتذرع بها دائما, وتتنوع الأزمات، سياسية واقتصادية، وعسكرية، وتجارية، ونفط، ومياه، وسوق، وتنمية، وأقليات, وثقافة، ودين و. . .و في النهاية أزمة حضارية، وأزمة في تحوّل الأدوار مع تطور الحالة السياسية والاقتصادية الدولية, كان الشرق, منذ أقدم العصور، طريقاً تجارياً واقتصادياً وعسكرياً، وغلبت عليه الصفة التجارية، ويبدأ من أوربا عبر المتوسط إلى سوريا والعراق وفارس، وأعماق الهند والصين, ويتفرع لفروع وروافد تصب في النهاية فيه ذهاباً وإياباً، والطريق الآخر القادم من أقصى الشرق لينتهي في الأعماق الأوربية، إنها طريق الحرير, نسبة إلى الحرير القادم من الهند والشرق الأقصى, وتعرض طريق الحرير لأزمات تجارية بسبب الأوضاع السياسية والعسكرية في المناطق الواقعة على جانبيه، وتزول بحكم الضرورة التجارية والاقتصادية, وتُعتبر هذه الطريق سوقاً دولية تاريخية مستمرة، بالزمان والمكان، وتُرفد من الشمال الإفريقي والأعماق الإفريقية، ومن شبه الجزيرة العربية, كما تبدو الأسواق الأوربية نهاية جسر ورأس جسر معاكس، ويبدو البحر المتوسط وبلاد الشام وسورية وفلسطين, كمحطات بحرية وبرية بآن واحد، فالمحطة البحرية لنقل البضائع والجيوش والحضارات والثقافات، والمحطة البرية معدة لهضم هذه المنقولات الوافدة التجارية والحضارية، لقد تم هضم الحروب الصليبية القادمة من الغرب، والتي أطلق عليها العرب " حروب الفرنجة ", كما تم هضم المغول والتتار من الشرق، وبدت المنطقة شكلاً متطوراً حضارياً لتمثل وهضم الحضارات, وإعادة صياغتها وإنتاجها بشكل جديد, وقاد الدوران حول رأس الرجاء الصالح إلى الهند إلى أزمة تجارية حضارية للمنطقة، وأصبحت في شبه عزلة عن الشرق والغرب في آن واحد، واستيقظت منطقو العرب وجوارهم على أصوات مدافع نابليون بونابرت في مصر من جهة، وعلى أصوات الثورات والتمرد القادمة من أقصى الشرق من جهة أخرى، والتي تحمل بقايا من بذور قديمة لفلسفات وديانات آسيوية عميقة, في الفكر والتاريخ, ترتبط بعمق جغرافي راسخ, وبتربة غنية خصبة لنمو مثل هذه البذور، الأمر الذي قاد المنطقة لأزمات من نوع آخر تبعاً للزمان والمكان .
 
2ـ جسر: (2)
    لم يخرج شعب منطقة العرب وجوارهم من العزلة التي عاشها, إلا بعد وصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر عن طريق قناة السويس, وظهرت أهمية باب المندب عبرها، ومنح  الطريق البحري الذي يوصل إلى الهند والصين، قوة سياسية وعسكرية وتجارية واقتصادية للمنطقة, وظهرت أهمية الموقع الاستراتيجي للمنطقة حيث يسعى الأقوياء للسيطرة عليه,أي على الموقع, وحققتْ فرنسا بعض النفوذ, وانفردت بريطانيا بكل النفوذ لاحقاً, وكانت فكرة وصل البحر الأحمر مع البحر المتوسط، كانت فكرة قديمة قدم التاريخ المصري، وتمكن العرب المصريون القدماء في وصل البحر الأحمر مع البحر المتوسط عبر نهر النيل والبحيرات, وتمكن عمرو بن العاص زمن الفتح الإسلامي من إعادة فتح هذه القناة المعروفة بقناة عمرو بن العاص, وتمكن الخديويون من شق قناة السويس الحالية التي قلصت من نفوذ طريق رأس الرجاء الصالح, وأعادت للموقع الجغرافي أهميته, كما قلّصت القناة من أهمية طريق الحرير الشامي القديم, كما قللتْ من أهمية الدول الواقعة على جانبي هذا الطريق, مما ساهم في التقدم الحضاري في مصر, بسبب من ذلك قياساً على الدول المجاورة لها، وتعرّضتْ مصر بأزمات سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة, بسبب محاولة الأقوياء السيطرة على هذا الممر المائي المهم استراتيجياً، شأن الأزمات الواقعة على الطريق الشامي للحرير، وكانت الغلبة بالأزمات في الطريق البحري والطريق البري لهؤلاء الذين يقيمون على الجغرافية التي يمر منها, وليس لهؤلاء الذين يمرون كعابرين, إذ يرتكز المقيمون إلى جذرٍ حضاري بأعماق جغرافية وتاريخية ونفسية ويرحل الغزاة إلى أعماقهم أيضاً, وتحولت أشكال التعامل, وتغيرت قوانين السوق, بتغير وسائل النقل والاتصال، في الكم والكيف، وتغيرت طرق الإدارة ووسائل الإنتاج, وانعكس على الميزان التجاري لصالح الغرب الأوربي، وصدّر سكان المنطقة المواد الخام الأولية، والطاقة البشرية العاملة، والعقول والأدمغة، مقابل استيراد السلع الاستهلاكية والنقد، والتقنية الخام, وظهر ميل إلى تشجيع الاستيراد, على حساب التصدير والإنتاج المحلي, بمقولة أن المستورد أكثر جودة, وأقل كلفة, وباتت دول المنطقة مجالاً خصباً لسوق استهلاكية للسلع الغربية والشرقية، كما أضحتْ, أي منطقة العرب وجوارهم سوقاً للتنافس الدولي, من الغرب الأمريكي والأوربي من جهة, و الشرق البعيد 
كاليابان والصين والهند وسواها من جهة أخرى، وامتد التنافس إلى سوق السلاح الحربي كنظرة تجارية, كما أمتد إلى الخبرات العسكرية, شكّل هذا التنافس جسراً للتبادل الثقافي والاجتماعي، وقاد الجسر إلى ما يعرف بالانفتاح, وأفضتْ أزمة السوق، إلى أزمة اقتصادية شاملة، ويمكن أجمالها بكلمة واحدة هي : التنمية, بمعناها الشامل، وتفاوتت دول الإقليم في مجال التنمية الإقليمية، كما تفاوتت في مجال التنمية الداخلية, داخل الإقليم ذاته, أو داخل الدولة ذاتها, يقود الحديث عن السوق إلى الحديث عن التنمية، ويقود الحديث عن التنمية, إلى الحديث عن شقيها, الاقتصادي والاجتماعي, وفي مجال التنمية الاجتماعية يكمن بيت القصيد, وفيه تعتبر إسرائيل نفسها متقدمة على غيرها, من دول المنطقة في مجال التنمية الاقتصادية، لأنها, وحسب زعمها, تملك الطاقة اللازمة والأدوات, ومعززة بفعل تنموي, قادر على التطور والتحديث، في حين أن الدول الأخرى في الإقليم, وحسب الزعم الإسرائيلي, تملك الطاقة الأولية للتنمية من نفط ومعادن وطاقة بشرية وسواها، وبالتالي, وحسب المفهوم الإسرائيلي ذاك، فإنه يمكن حل هذه الأزمة التنموية في منطقة العرب وجوارهم، والأزمة الاقتصادية الإقليمية أيضاً, عن طريق تمازج العقل التنموي الإسرائيلي من جهة, مع الطاقة الإنتاجية للآخرين من الدول المجاورة من جهة أخرى, وأن المقصود بالآخرين قد يكونوا من العرب أو غير العرب، من أتراك ، وإيرانيين، وأكراد، وأرمن أو غير ذلك, وتبدو المقولة مقبولة نسبياً في ظاهر الحال، إلا أن النظر فيها يجعلها في غير محلها لأكثر من سبب، منها إن العقل التنموي الإسرائيلي غربي في المضمون والمحتوى، وهويته متشعبة، تبعاً لوجوده و لمصدره، ووجود هذا العقل في إسرائيل لا يصبح عقلاً تنموياً إسرائيلياً, كما قطعت بعض دول الإقليم، شوطا ًبعيداً في مجال التنمية الداخلية, ولها حظاً وافراً من العقلية الحضارية ذات الجذور التاريخية، والتي لا زالت مستمرة حتى الوقت الحاضر، كما حققتْ بعض دول المنطقة عراقة في بعض التقنيات الزراعية ومقاومة التصحر والجفاف، وان من بينها من وصل عقله ليشع ويفيض عن مساحة الجغرافية إلى دول إقليمية مجاورة .
 
3ـ تنمية:  (3)
     لن تكون التنمية شاملة إذا لم تتناول المجتمع في جانبيه المادي من جهة, والمعنوي الاجتماعي من جهة ثانية, إذ لا جدوى للعلم أو للمال إذا لم يرفع من المستوى المعنوي للأفراد والجماعات, ولا جدوى منه إن لم يرفع من معنى مستوى المثل والقيم الحضارية والإنسانية, تقود التنمية المستمرة بجانيها المادي والمعنوي, تقود إلى الدخول في عالم الاقتصاد, حيث يكوّن الأخير الركيزة الأساسية للدخول إلى المجتمع، وهذا الأخير هو مجموع الأفراد التي تكونه, ومن ثم يشكل هذا المجموع شكلاً مستقلاً عن أفراده, ويتمتع هذا الشكل المستقل بمجموعة من الحقوق والواجبات, ويظل الإنسان هو العنصر الحاسم فيه, ويظل الإنسان هو العنصر الحاسم في الصراعات الدولية المصيرية, بمختلف مستوياتها وأشكالها الخاصة, وبمختلف الأزمنة والأمكنة, هذا ظهر الصراع العسكري في المنطقة مستبعداً في الأفق المنظور، وربما لمراحل زمنية طويلة قادمة, ربما تزيد على عدة عقود من الزمن، وتحولت الأزمات في شكلها ونوعها, في المنطقة, من أزمات سياسية وعسكرية، إلى اقتصادية واجتماعية وأمنية، وتحولت المنطقة إلى سلام نظري وعملي, حسب تطور حالة كل فريق في السير في تلك العملية, وحسب عقلية كل فريق لقبول هذا التحول, كلياً أو جزئياً, وبالتالي لم يكن النزاع يدور بين الأطراف الآن حول الوجود أو عدمه, بل أصبح صراعاً حدودياً أو نزاعاً حدودياً, ولم يكن يشمل الوجود من الوجهة القانونية على الأقل، إذ أن مجرد الاعتراف الدولي بوجود إسرائيل, وتعديل المواثيق القانونية الداخلية, لدى الأطراف المتصارعة, كافياً للإشارة إلى نوع وشكل ذلك الصراع, لهذا يدور النزاع أو الصراع اليوم حول الاقتصاد، والتنمية العامة, فبدل من العمل على توسع الرقعة الجغرافية والعسكرية في
السابق, أصبح اليوم " زمن كتابة البحث " يدور في مجال توسع الرقعة الجغرافية لجهة النفوذ الاقتصادي إلى الأسواق, وبالتالي يقود النفوذ في الأسواق جغرافياً, يقود إلى نفوذ جغرافي في شكل ونظم الإنتاج والتصدير، وشكل ونظم اجتماعية، تحمل هذه النظم في مجملها وفي طياتها فكراً وسياسة, مما يقود التنافس الاقتصادي إلى تنافس فكري اجتماعي من حيث النتيجة, وتقدم فيه الثقافة الجزء الأهم والأخطر والأكبر, كصراع تاريخي ومعاصر في آن واحد، وحسب الظروف الواقعية حالياً, ولعل أزمة التنمية المادية، في طريقها إلى الحل في بعض الدول، ولكن المشكلة الأساسية تكمن في أزمة التنمية الاجتماعية، فلا قيمة للتنمية المادية إذا لم تتناول المجتمع ولا يوجد حلاً اجتماعياً لهذه الأزمة, بغياب تعاضد اجتماعي، في هذا الجانب أو ذاك، أي أن التعاضد الاجتماعي في جانبي الصراع أزمة بذاته، سيحاول كل جانب رص صفوفه الاجتماعية من جهة, في مواجهة صفوف الجانب الآخر المتراصة هي أيضاً من جهة أخرى، فالتعاضد الاجتماعي أكثر التصاقاً, وأشد فعالية من التضامن الاجتماعي, ويفوقان التضامن السياسي فعالية, إذ يشير الأخير إلى الحكومات والدول والمواقف الرسمية الدولية في قرارات وسواها، في حين يشير التضامن الاجتماعي إلى الرأي العام للمجتمع، ويمكن التعبير عنه من خلال الضمير الجمعي للأمة, وقد يتطابق التضامن السياسي مع التضامن الاجتماعي, كما قد يختلف, وقد يكوّن صاحب القرار السياسي موقفه عن دراسات معلوماتية لا تتوفر للقرار الاجتماعي الجمعي, ويشكلان, القرار السياسي والقرار الاجتماعي, معاً نوعاً من التعاضد الاجتماعي, ويُعتبَر التضامن نوعاً من إسناد المجاملة في العرف التجاري التي لا تقوم ولا تؤدي إلى الالتزام الكامل, هذا ويشير التعاضد الاجتماعي إلى الشعوب والأفراد مباشرة بغض النظر عن مواقف الحكومات التي قد تختلف مع هذا التعاضد أو تتفق معه, وبالتالي هو يشكّل التعاضد شعوراً ضمنياً, لدى أفراد الجماعة الواحدة, بوحدة المصير المشترك, ويتوجب الالتحام بتماسك عضدي ساعدي معنوي, لأجل التعاون للدفاع عن الذات التي يهدف الآخر إلى تفكيكها لتحطيمها من جهة, ولأجل مواجهة هذا الآخر بغية تفكيكه وتحطيمه من جهة ثانية, عند هذا الهدف المركب قد تنهار الحدود القائمة المادية والمعنوية، لهذا يتوجب الانتباه إلى ناحية الأزمة الاجتماعية بشكل دقيق, هذا وتنسجم هذه الفرضية مع  الذات، كما تنسجم مع الآخر، الذي يسعى إلى ذات الهدف, ويحاول كل طرف أن يرفع مستوى قاعدته الاجتماعية، إضافة لقاعدته السياسية, في محاولة للدخول في أعماق الطرف الآخر, بغية وتفكيكه من داخله وتحطيم معنوياً ومادياً، وبغية الانتصار عليه بالنتيجة, ولا يحقق الطرف في الصراع أهدافه, إذا لم ينتصر تنموياً, وهذه في حد ذاتها أزمة كبرى .
 
4ـدين :
      يقوم التعاضد بحضور الشعور الديني العميق, فالدين فضلاً عن كونه علاقة عمودية رأسية بين الفرد من جهة والرب من جهة أخرى، فإنه, أي الدين في الوقت ذاته علاقة أفقية اجتماعية في المجتمع الواحد, وفي الأفراد الآخرين في ذات المجتمع, وفي المجتمع الإنساني عامة, إضافة لذلك, فهو, أي الدين, الشعور الإنساني والاجتماعي والانتماء العام للمجتمع والعقيدة الدينية, يتمازج الدين مع التاريخ الديني، ويتمازج مع الأسطورة المقدسة أيضاً, بشكل يصعب معه فصل التاريخ عن المقدّس الديني، أو فصل الأسطورة الدينية المقدسة عن التاريخ الديني المقدس, ويُخطئ من يظن أن الدين والشعور الديني عامل استقرار اجتماعي أو سياسي في المجتمعات الحديثة والمعاصرة، ذلك لأن الشعور الديني موجه لصالح التغيير غالباً، ولان الموجه الدينية في شعورها المتجدد تبعاً للزمان والمكان والمصالح، تكون في صالح التجديد الديني والاجتماعي من وجهة نظر الذين يمتطون هذه الموجة على الأقل, فقد جاءتْ جيوش الفرنجة إلى بلاد الشام والشرق على هذه الموجة, أي موجة الشعور الديني العميق, وعلى هذه الموجة خرجت الجيوش العربية الإسلامية إلى العالم، وعلى هذه الموجة قامت القوات الشعبية العربية والإسلامية في تحرير القدس وإخراج الفرنجة منها، أي كان الدين وما زال عاملاً محرضاً لصالح التغيير وليس لصالح الاستقرار، وهذا لا يعني أن الدين، يعاكس الاستقرار، بل إن الاستقرار في المعنى الديني, هو ثبات دين المرء، وثبات سلوكه الديني, ولعل قراءة متأنية وهادئة من أجل وضع سبب إجمالي شامل لسقوط المعسكر الاشتراكي الشيوعي جملة، تقودنا إلى نتيجة واحدة كلية وهي : إن سبب سقوط المعسكر الاشتراكي الشيوعي يعود إلى غلبة شكل وتركيبة المفهوم الاجتماعي للحياة في العالم الغربي والدول المجاورة، على شكل وتركيبة المفهوم الاجتماعي للعالم الشيوعي، وبالتالي فإن الشعور الديني العميق الراسخ في الوجدان الإنساني هو الذي غلب، وأقول الشعور الديني العميق الكامن في الوجدان، وليس الصيغ الدينية الشكلية, لأنه في قلب كل إنسان بذرة حب إلهية، مهما يكن من مساراتها فإنها في النهاية تتجه إلى الحبيب الأوحد, وبالتالي كان سقوطاً اجتماعياً من جهة الشيوعية، وانتصاراً اجتماعياً من جهة الرأسمالية والعالم الحر، وسبب هذا هو غياب التعاضد الاجتماعي العفوي لدى الأفراد في مجتمع الاشتراكية الشيوعية, ربما يقول البعض إن هذا الغياب موجود في مختلف المجتمعات الغربية، أقول هذا صحيح, إلا أنه, أي التعاضد الاجتماعي, كامن فيها, إذ تعتمد المجتمعات الشرقية عامة, تعتمد اعتماداً كلياً على الدين في تحريك القوى الاجتماعية, فإن لم تعتمد عليه, أي على الدين, فلا يمكنها أن تتجاهل وجوده, وبالتالي لا يمكن, لهذه المجتمعات الشرقية, إغفاله, أي الدين, من الحساب, وساهم الدين, في انتصار أفكار ومعتقدات, وسقوط أفكار ومعتقدات أخرى، فقد سقطت بيزنطة في نهاية العصور الوسيطة لهذا السبب، أما في العصور الحديثة توجد أمثلة حية على ذلك, وهنا يمكن أن أورد أمثلة كثيرة على هذا من التاريخ الحديث والمعاصر, وفي أماكن جغرافية متنوعة, وسأكتفي بمثالين: الأول إيران, والثاني وإسرائيل, مع ملاحظة التباين بينهما, ففي إيران, التي استندتْ الحكومة في عهد الشاه محمد رضا بهلوي, استندتْ إلى الترسانة العسكرية القوية والحديثة، والمجهزة بأحدث الأساليب والأجهزة الاستخباراتية, ومثلتْ حكومة إيران آنذاك دور شرطي المنطقة, في خدمة المصالح الإيرانية وفي خدمة المصالح الغربية، لهذا فقد كانت تلك الحكومة مؤيدة في المحافل الدولية, وأهمل شاه إيران والحكومة من بعده, المسألة الدينية من الحسابات, كما أهمل الشعور الديني الفردي والجمعي، الأمر الذي قاد إلى وجود مركز للمعارضة، استند هذا المركز إلى ما أهمله الشاه, وهو الشعور الديني, الذي قاد إلى تعاضد قوي وفعال, له صفة دينية اجتماعية، تتعلق في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة, مع التركيز على مفهوم الشهادة الدينية والفناء في سبيل الواجب الديني والوطني المقدّس, ولامس هذا الشعور الديني شغاف قلب الجندي الإيراني, في أي موقع كان وتحت أي قيادة كانت, وبالتالي وقف الجندي الإيراني القائم على الترسانة العسكرية الإيرانية محايداً تجاه نظامه وسلاحه, وتحوّل موقعه من مؤيد للحكومة وللنظام الذي تمثله تلك الحكومة, إلى محايد بين القوتين المتصارعتين الحكومة من جهة والمعارضة من جهة ثانية, ثم تحوّل هذا الجندي في مرحلة لاحقة من محايد, إلى معارض لهذه الحكومة التي تمثّل النظام والسلاح, ومنه سقطت القوة العسكرية الإيرانية من الحسابات في الموازنات الداخلية والخارجية, أي قاد الشعور الديني إلى تعاضد اجتماعي داخل إيران, وبالتالي إلى تغيير في البنية السياسية الإيرانية, أما ما يّسمى " دولة إسرائيل ", فقد قامتْ على أساطير لا علاقة لها بالدين, إذ استغل الساسة الشعور الديني بغية إنشاء تلك الدولة .  
 
5ـإسرائيل:(4)
    يلعب الدين أو الشعور الديني دوراً مهماً في حركات الجماعات أو التجمعات البشرية, ويقود للحديث أيضاً عن الدور الشعور الديني الذي استند عليه الفكر الصهيوني على الدين اليهودي أو على الشعور الديني لدى يهود العالم, حيث داعب ذلك الفكر الشعور الديني عند يهود العالم, كجسر عبر عليه الصهاينة إلى فلسطين, من أجل تحقيق هدف إقامة كيانهم الذي تحقق من حيث النتيجة، وتحققت هدف إقامة دولتهم, فكان الدين اليهودي جسرا للعبور الصهيوني، حيث نالت هذه الدولة الاعتراف في المجتمع الدولي الحالي، ذلك المجتمع الدولي الذي وصفها, أي الصهيونية, في إحدى قراراته بالحركة العنصرية، ومع ذلك اتسمتْ دولة إسرائيل ببعض الشرعية، وقد قال الحسن الثاني, عندما كان ولي عهد المملكة المغربية في الخمسينيات من هذا القرن وفي الستينيات منه، قال : بإمكانية اعتبارها دولة عربية وضمها إلى جامعة الدول العربية، وأضاف، لن يفلح العرب بحل مشكلة الصراع العربي \ الإسرائيلي إلا بأحد حلين إما بالمفاوضة معها من اجل تفاوض سلمي, أو بالهجوم عليها بجيش قوامه مائة مليون فرد حتى ولو كان مسلحا بالعصي فقط, وكانت وجهة نظر الرئيس الجزائري هواري بومدين بعد حرب حزيران عام 1967 تميل إلى مواصلة القتال بشمولية المعركة حتى لو وقع الغزو على دمشق او عمان او القاهرة, فوراء مصر العمق الممتد من ليبيا حتى الأطلسي, وخلف دمشق وعمان العراق والجزيرة العربية, والمسالة لم تكن مسالة ربح او خسارة, بل هي مسالة حرب قاسية ومديد, كما كان يرى بومدين, وقد تكون وجهة نظره تلك متقاربة في النتيجة مع رأي بومدين آنذاك, يقود الدين أو الشعور الديني إلى دخول حرم التاريخ, الذي يشكل جزءاً مهماً من عقل الإنسان وماضيه, فعقل الإنسان في النهاية مجموعة تراكمات معرفية ماضويه, منها ما هو مقدس دينياً ومنها ما هو مقدس فكرياً واجتماعيا, فالماضي هو بنية دينية تاريخية متراكمة، لهذا حاولت إسرائيل أن تطرح شعاراً تاريخيا مرناً لحدودها من الفرات إلى النيل، وكم تمنى الصهيوني بن غوريون أن يكون نهر الليطاني هو الحد الطبيعي الفاصل للشمال الفلسطيني, أي ما يسميه شمال إسرائيل, الحد الفاصل بين الحدود الفلسطينية الشمالية من جهة, والحدود الشمالية اللبنانية من جهة ثانية، فيتحقق هذا الحلم الإسرائيلي إلى حين بمقولة الحزام الأمني الإسرائيلي في الجنوب اللبناني, وفي الحدود يختلف ويمتزج التاريخ مع الجغرافية بشكل  يصعب فصله، لأنها, أي الجغرافية, خشبة المسرح, الذي تدور فيه وعليه الأزمات في العالم أجمع, حيث تعتبر الجغرافية من أهم الأزمات التي تعيشها إسرائيل، إضافة لأزمات أخرى مثل المياه والأقليات والداخل والانفجار السكاني, وتتضح الأزمة الجغرافية لديها في حدودها, فالجغرافية مع مصر مفتوحة بدون حواجز طبيعية عبر سيناء، في حين كانت تشكل قناة السويس خندقاً دفاعياً لها، أما اليوم فإن صحراء سيناء لمن يعمرها من المصريين، كما تبدو القوى البشرية المصرية قادرة على ملء رقعة سيناء الجغرافية، وبالتالي قادرة على السير عبر الحدود والوهمية، كما تشكل الحدود الجغرافية عبر الأردن، سهلاً ممتداً وواسعاً وطويلاً، يصعب تجاوزه من قبل القوى البشرية الإسرائيلية، كما يصعب على القوى البشرية الأردنية التخلي عنه، وقد يكون ذلك السهل ساحة معركة فاصلة بين القوى المتصارعة، كما تعاني إسرائيل أزمة الحدود السورية عبر هضبة الجولان، حيث تحتل إسرائيل وتضع يدها بصورة غير شرعية منذ عام 1967 على قسم من تلك الهضبة، والتي أصدرتْ, أي إسرائيل, قراراً بضمها وفرضت الجنسية الإسرائيلية على المواطنين السوريين والعرب هناك، فهي أزمة قائمة تعاني منها إسرائيل, كما تعاني من أزمة الحدود اللبنانية والحزام الأمني اللبناني، حيث وصلت إلى نهر الليطاني مرتين الأولى عام 1978والثانية عام1982عند اجتياح القوات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية ودخول بيروت, فلهذا تعيش إسرائيل أزمة جغرافية دائمة, ديمومة وجودها غير المشروع, كما تُعتبر أزمة المياه من أقدم الأزمات في المنطقة، وفي العالم أجمع أيضاً, ومن يضع يده على منابع المياه يضع يده على اقتصاد العالم، و تسعى إسرائيل لأن تضع يدها على منابع نهري النيل والفرات, عن طريق توقيع اتفاقيات مع كل من أثيوبيا وتركيا بغية الضغط الاقتصادي والعسكري والاجتماعي على العرب ومن المقولات الإسرائيلية، إمكانية تغذية إسرائيل بالمياه العذبة من نهر الفرات عبر الأراضي السورية في حال حدوث تسوية حسب رأي البعض, أو عبر المتوسط عن طريق أنابيب في جوف البحر الأبيض المتوسط وذلك, في حال عدم تحقق التسوية السلمية مع سورية, حسب رأي البعض الآخر، وتمر المنطقة بأزمة الأقليات العرقية, حيث تسعى إسرائيل للعزف عليها بغية إثارتها، ومن ثم كسبها إلى الجانب الإسرائيلي، وقد رفض بعضها, أي بعض هذه الأقليات التحالف أو التعاون مع إسرائيل، في حين مال  البعض الآخر إلى تنسيق معها، مثل بعض الجمعيات التي حصلت بين إسرائيل وبعض الأقليات التي ترفض الدخول في النسيج الاجتماعي والقومي للمنطقة, وتبحث عن تعاضد اجتماعي سياسي معها، بشكل يحقق أهدافاً مزعومة مشتركة بين بعض هذه الأقليات من جهة, وإسرائيل من جهة ثانية, ولا بد من حل شامل لهذه الأزمات في المنطقة, يأخذ في الحسبان الآفاق العامة للمنطقة, كما يأخذ الآفاق الخاصة لكل فريق, بغية تجنب الخوض في المياه العكرة التي تحاول دولة ما يُسمى إسرائيل الصيد فيها, ومن منطلق الأزمات تحوّل وتطور وتحور مفهوم الشرق الأوسط, تبعا للزمان والمكان والمصالح والغايات, لصالح الطرف الإسرائيلي .
 
6ـ نهاية:
يتبادر إلى الذهن السؤال التالي:هل من نهاية لهذه الأزمات ؟ إن تحول المفهوم من جغرافي عسكري، إلى جغرافي سياسي، إلى استراتيجي ومسرح مواجهة، إلى اقتصادي واجتماعي، إلى مفهوم تنموي شامل، هذا التحول في مدة زمنية أقل من قرن يعني شيئاً واحداً هو: كانت الغاية من إطلاق المفهوم, أي مفهوم الشرق الأوسط, كانت وما زالت شيئاً واحداً، هو الحفاظ على الهدف, من إطلاقه, الذي يعني, مما يعني, صراع وجود حضاري أو عدم وجود, وفي النهاية يغدو صراعاً حاسماً لكل شيء، وتتبدل الوسيلة تتبدل تبعاً للظروف الذاتية والموضوعية, وهو من الأهمية بمكان, أي الصراع الحضاري الوجود أو عدم الوجود, كونه يسعى إلى قيام حضارة سالفة, على أنقاض حضارة أخرى قائمة، ويكون الإنسان هو العنصر الحاسم في هذا الصراع، لأنه, أي الإنسان, هو المجتمع من حيث التجمع ومن حيث الكل, ويغدو الصراع العسكري ثانوياً قياساً على الصراع الاجتماعي، الذي هو في جوهره، أزمة جوهرية اجتماعية في المضمون والمحتوى، وبالتالي فهي, أي الأزمة في جوهرها, أزمة حضارية, وتنافس حضاري, يمثله المجتمع ومسرحه الجغرافية, ولن تنتهي الأزمات، فتنتهي أزمة وتظهر أخرى، وما دام هناك مجتمع دولي فإنه لابد من قيام ونشوب أزمات دولية, لأنها وليدة الحركة، والحركة قد تقود إلى مآزق، والأخيرة تحتاج إلى حل، وبالتالي تبدو الأزمات متتابعة ومستمرة، إلا أنها متجددة ومتنوعة، إذ من المستحيل أن تتكرر أزمة واحدة مرتين، حتى ولو تشابهت الظروف الموضوعية أو الظروف الذاتية، أو الاثنين معاً,ً ومرد ذلك لاختلاف الطبيعة البشرية، ولاختلاف ردود الفعل، ولوجود أو عدم وجود المصلحة أو العاطفة، حتى الشخص ذاته هو ليس كما هو بالأمس، إنه اليوم جديداً كيومه, لا يمكن وضع قانون عام شامل يحكم الأزمات كالقوانين الرياضية, إلا انه يمكن وضع قواعد شبه كلية وعامة لشكل ونوع الأزمات, ومن ثم إمكانية القياس عليها, ويتبادر إلى الذهن أسئلة عديدة منها : هل يتحول الصراع العربي الإسرائيلي إلى أزمة في الأفق المنظور ؟ وهل من حلٍ لهذه الأزمة عبر الأجيال القادمة من الزمن ؟ وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعايش سلمي عام اجتماعي في هذه الرقعة من العالم ؟ وكل هذه الأسئلة تدور في مجال الصراع العربي الإسرائيلي, وهناك أسئلة أخرى تدور في الصراعات المجاورة, منها هل نعيش حالة صراع أم حالة أزمة مع كل من إيران وتركيا ؟ وهل نعيش حالة أزمة أم حالة توتر مع بعض دول التي تحيط في الدول العربية في الشمال الإفريقي ؟ وهل يمكن إيجاد حل نهائي للأزمات العربية ؟ أو أزمات المجتمع الواحد في الدولة الواحدة القومية أو القطرية ؟ وأسئلة كثيرة تدور في الذهن تبحث عن جواب, ولا يمكن لأحد أن يقدم جواباً مقنعاً, ويمكن تقديم جواباً توقعياً، وفقاً للآفاق والرؤى التي يراها الدارس والمحلل, وقد تتفق نظرته التوقعية, مع نظرة الآخرين, وقد تختلف, هذا وتتعدد الأجوبة بقدر عدد الذين يحاولون الإجابة، وبقدر عدد المواقع التي تصدر عنها, وتكوّن هذه الأجوبة احتمالات قد تقود إلى الحقيقة بشكل نسبي, أو عام, وعلى هذا الأساس يمكن أن أتقدم بجواب على هذه التساؤلات, أنا الآخر, لهذا يمكن أن تكون هناك نهاية لمثل هذه الأزمات, عند وجود الحلول الأكثر منطقية والأكثر قبولاً وثباتاً، وليست هي الحلول النهائية, لأنه وما من تسوية, أول حل سياسي لوضع دولي, إلا وكان هناك من يعتقد, أن هذا الحل, أو تلك التسوية, مجحفة بحقه, ومثالاً على ذلك الآن، هو اتفاقات كامب ديفيد، يعتقد بعض العرب والمصريين الآن أنها مجحفة بحق الشعب المصري والسيادة المصرية، لأن السيادة المصرية على شبه جزيرة سيناء منقوصة بسبب القيود التي كبلتها الاتفاقية, كما يعتقد بعض العرب أنها, أي اتفاقات كامب ديفيد, أخرجت مصر من ساحة الصراع مما أضعف الموقف العربي والإسلامي فيه, في حين يعتقد بعض الإسرائيليون أن تلك الاتفاقية مجحفة بحقهم، لأنهم, أي الإسرائيليون, استولوا على سيناء بثمن باهظ حسب زعمهم، في حين أنهم تخلوا عنها بثمن بخس، وهو الأمن الذي لم ولن تشعر به إسرائيل يوماً, وكمثال آخر: وهو اتفاقات أوسلو, أو ما عرف باتفاق غزة / أريحا, إذ يعتقد كل من الطرفين في الإجحاف الذي لحق به, في هذه الاتفاقات, التي تم توقيعها بين طرفيها, وهناك أمثلة من التاريخ في الحرب العالمية الأولى وتسليم ألمانيا، والحرب العالمية الثانية، وإنزال النورماندي، وما يُسمى عند الأتراك حرب التحرير التي جرت بعد الحرب العالمية الثانية، وحرب المليون شهيد في الجزائر وسواها، وقد تنتهي الأزمات مؤقتاً، وتستمر تسوياتها إلى عقود من الزمن، أو لأجيال قادمة, ولن تنهي الأزمات إلا بانتهاء العالم كله، وتتكون الحضارات عبر التحدي الطبيعي وصراع الوجود، وهذا التحدي للوجود هو الأزمة الكبرى, فالحضارة هي وليدة سلسلة أزمات وتحديات لا نهاية لها .
 
 
الفصل : 2 / أعماق

  7- توضيح :

      لن ندخل في مجال تعريف الأعماق لغوياً أو أكاديمياً، وذلك محاولة للخروج من هذه المتاهة المستعصية فنياً، فالأعماق بالنسبة لي تعني كوامن النفس البشرية, والدوافع الاجتماعية، والشعور القومي, والديني والإنساني, في خدمة هدف, سياسي او اقتصادي او فكري, يحمل قضية إنسانية كبرى, بموقف استراتيجي بعيد المدى, يستخدم الزمن أداة لتحويله إلى واقع ملموس, من خلال مراحل مدروسة, تشكل المعطيات الإستراتجية لكل من الأكراد, والأرمن, والصهيونية العالمية, وإسرائيل, وسقوط النظام الاشتراكي الشيوعي في العالم وانتصار المعسكر الغربي, الذي يدعي الحرية, ودول عدم الانحياز, وميثاق وصيغة مدريد, والقضايا الاقتصادية, والنظرة التاريخية بأزماتها وتاريخها وثقافتها وحضارتها وأسبابها, والأديان باختلافها واتفاقها, والنظرة إلى ماضي ومستقبل هذه المعطيات، تشكل, كل واحدة من هذه المعطيات, على انفراد, كما تشكل جميعها مجتمعة, تشكل أعماقاً, للماضي,وأعماقاً يمكن النظر إلى المستقبل من خلالها, كأعماق مستقبلية يمكن أن نسميها آفاقاً, وهي لا تختلف عن أعماق الماضي إلا في حالة أن أعماق الماضي ينظر إلى جذور, في حين تنظر أعماق المستقبل إلى الأغصان، أي أن الأعماق تلك التي تتناول جذور المشكلة أو الأزمة، في حين أن الآفاق تلك التي تتناول مستقبل الأزمة واحتمالات تصورها وتطوراتها, وتعني الأعماق الإستراتيجية في شقيها الماضي والمستقبل, تعني القوى البشرية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والدينية, فقد شكّل الخليج العربي بكامل قواه عمقاً استراتيجياً للعراق في حرب الخليج الأولى مع إيران، كذلك كانت الأردن، في حين شكّلت الجغرافية البشرية الإيرانية عمقاً استراتيجياً لذاتها، ومن الأمثلة العالمية لنظرية الأعماق الإستراتيجية في القرن العشرين, ما حصل في أوربا التي شكّلت معظم الدول الأوربية عمقاً استراتجياً لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، في حين تشكّلتِ الأعماق الألمانية من ذاتها فقط, لهذا فقد خسرت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى والثانية لغياب الأعماق الإستراتيجية لديها، وكذلك خسرت إيران حرب ما عُرف بحرب الخليج الأولى 1987, بسبب عدم توفر الأعماق الإستراتيجية لها, وخسر العراق الحرب بما عُرف بحرب الخليج الثانية 1991, بسبب غياب ذلك العمق الاستراتيجي الذي كان يستند إليه, كان العراق دائماً, حيث منطق التاريخ والجغرافية, كان عمقاً بشرياً وجغرافياً وعسكرياً، أي عمقاً استراتيجياً لدمشق, ولم يكن العكس، فلم يحاول الفينيقيون عبور الفرات إلى الشمال أو الشرق، في حين عبر البابليون والآشوريون والأكاديون إلى ما يقارب الساحل السوري على البحر المتوسط، تهدم هيكل سليمان قديماً، وكان السبي البابلي، وكانت معركة اليرموك في الفتوحات العربية الإسلامية في التاريخ, كانت فاصلة, قبل المعركة الفاصلة في العراق فاصلة، شكّلت شبه جزيرة العرب دائماَ أعماقا إستراتيجية للعراق، في لم يفلح العراق أبداً من امتداد  بأعماقه الإستراتيجية إلى إيران لأسباب تتعلق بالتاريخ, والجغرافية, والواقع الحديث والمعاصر أيضا, ًوفي غياب العراق كقوة إقليمية على الأرض, يمكن, في هذا الغياب, أن تكوّن شبه الجزيرة العربية أعماقا لذاتها, وذلك لتنوع البيئة المناخية وتجانسها في آن واحد, من البحر الأحمر إلى بحر العرب, ومن الخليج العربي إلى الحدود البرية الصحراوية الفاصلة بينها وبين الشمال, أي كانت الصحراء فاصلا لامتداد عمق جغرافي استراتيجي بين المتوسط وشبه الجزيرة العربية, وساعد التجانس الاجتماعي والسياسي والاقتصادي على تكون مثل هذه الأعماق الذاتية, وتشابه حالة شبه الجزيرة العربية الآن (ومن كتابة البحث) تشابه الحالة الأوربية القائمة الآن, لناحية التاريخ والجغرافية والمجتمع, ويمكن أن تمتد الأعماق السورية إلى العراق ومصر ووادي النيل والشمال الإفريقي الذي كان وثيق الصلة بدمشق إبان الحكم العربي الإسلامي الأموي,  في حين انفصل تباعاً عن بغداد إبان الحكم العباسي، ويعود هذا إلى الأعماق الجغرافية والتاريخية، هذه حركة الشعوب، فالإنسان أبن الأرض بيولوجياً على الأقل, وتكون الولايات المتحدة الأمريكية أعماقاً إستراتيجية لذاتها, بسبب مساحتها الجغرافية الواسعة، وتنوع التجمع البشري لديها، أما المملكة البريطانية المتحدة، شأنها شأن جزر اليابان تكون أعماقاً خاصة بها أيضا, كونها جزيرة من اليابسة تحيط بها المياه من كل جانب, ولم تبحث الصين في يوم من الأيام عن أعماق إستراتيجية مع الآخرين, وتميل إلى إغلاق مجالها الاستراتيجي عبر سلسلة من القرارات الداخلية والخارجية، ولم تتأثر ثورة وحكومة ماوتسي تونغ بالعزلة التي عاشتها مدة ربع قرن، لأنها تعيش عزلة خاصة بها عبر التاريخ، ولا يزال جدار الصين العظيم يحكي قصة أسطورة حياة وأسطورة حضارة, وقيل أنه قد أعيد بناؤه عدة مرات في التاريخ,  لفرز أعماق الصين عن أعماق الآخرين، وتهدم جدار الصين بالتبادل الحضاري, وتهدم جدار برلين بالعبور , وللمتوسط أعماقاً تاريخية وجغرافية خاصة لا يمكن نسيانها .

8 ـ أكراد :(5)

 يميل البعض إلى اعتبار أن للأكراد قومية خاصة بهم واقعة ضمن حيز مكاني جغرافي معروف باسم إقليم كردستان، الموزع سياسيا بين كل من تركية وإيران والعراق، ومن ثم, وحسب أصحاب ذلك الرأي, لابد من أن تقوم لهذه الدولة الكردية سيادة على أرضها مع مرور الزمن، يروي أبن خلدون في تاريخه أن كرد أبن إيران، هو شقيق لفارس أبن إيران، أن الأكراد ينحدرون من إيران, كما يروي ابن خلدون أيضا نقلا عن التوراة وتاريخ ابن إسحاق انه كان لسام بن نوح خمسة أولاد هم فخشذ ولاوذ وارم وغيلم واشوذ, وان لأشوذ أربعة أولاد هم : نبيط وباسل وجرموق وإيران, ومن نسل هذا الأخير كان فرس وكرد وخزر,  وقد استبعد ابن خلدون أن يكون الكلد والديلم من العرب, وأكد إلى أنهم, أي الكلد والديلم, ينحدرون من نسل سام بن نوح، أي لم تكن للكرد حضارة مستقلة عن حضارة فارس عبر التاريخ، ولم يحدثنا التاريخ عن قيام حضارة كردية مستقلة على ارض جغرافية محددة، أو زمان محدد, وذابت الحضارة الفارسية التي تشربها العرب المسلمون وامتزجت بالحضارة العربية بالفتح العربي الإسلامي, الذي أسس الدولة الإسلامية فكان الدين سمة رعايا الدولة, من عرب ومن عجم, وكان لفظ عجم يشمل كل الأشخاص من غير العرب, ولا فرق بينهما, إي بين العربي والعجمي إلا بالتقوى, وبالتالي شكلتْ شعوب المنطقة, الحضارة العربية الإسلامية, بعمادها اللغوي العربي كلغة الدين والعلم, وكان الأكراد من بين العجم,  واستمر حالهم, إي الكرد, أو الأكراد  إلى زمن الحروب الصليبية، حيث قاد عماد الدين زنكي، من أسرة زنكي الأيوبية, حرباً إسلامية, أقول إسلامية على ما عُرف بحروب الفرنجة, لتحرير القدس وبيت المقدس من الغزاة الأوربيين, فخلفه في قيادة هذه الحرب ولده نور الدين, الذي توفاه الله بعد توحيد جناحي الدولة الإسلامية, الشام بعمقه الممتد إلى العراق من جهة, ومصر وعمقها الممتد إلى الشمال الإفريقي الإسلامي, فخلف من حيث النتيجة صلاح الدين الأيوبي وقطف ثماره هذه الحرب بتحرير القدس وبيت المقدس من الغزاة الأوربيين, كانت الحرب دينية, ولم تتسم بأي طابع قومي محدد, ولكن لغة الدين العلم هي العربية, وفي مقولة تشير إلى أن صلاح الدين هذا عربيا, وكان رابطه بالأيوبيين لجهة أمه الأيوبية, ولم يكن كردياً, وسواء أكان عربياً أم كردياً, لن يقلل ولن يرفع هذا الأمر من أهميته التاريخية والدينية شيئاً, فقد كان قائداً إسلامياً مهماً في الجيش الإسلامي الذي يقوده الزنكيون سيما نور الدين, فقد حارب الجميع من عرب وكرد, باسم الإسلام, كما حارب المسيحيون في المنطقة والشرق لتحرير بيت المقدس, من الغزاة الأوربيين, الذين أطلقوا عليهم اسم الفرنجة, تمييزا لهم عن مسيحيي الشرق, وعلى هذا الأساس لم تقم للأكراد حضارة أو دولة مستقلة في ظل المفهوم الإسلامي للحضارة, واستمر الحال إلى الحرب العالمية الأولى, ولا يعني هذا انعدام ذاتيتهم, أو خصوصيتهم, عند الحديث عن الأعماق, شمل إقليم كردستان المنطقة التي تحيط بمنابع نهري دجلة والفرات وجبال زاغروس وهضبة أرمينيا يسكنها الأكراد أو الكرد، وهو شعب يبلغ عدد سكانها نحو ثلاثة ملايين نسمة يعيش أكثرة برعاية الأغنام ويستوطن بعضه السهول الزراعية،وتقدر مساحة الإقليم حوالي (200) ألف كم2 وتقع الإقليم بين كل من العراق وإيران وتركيا وأرمينيا السوفيتية، ويتجمع كرد العراق في مدن الشمال وأهمها السليمانية ثم الموصل وكركوك, ومن أهم المدن التركية ذات الطابع الكردي، أرض روم وديار بكر، ويميل الأكراد إلى المذهب السني في الدين الإسلامي، وتشير معاهدة فرساي 1919إلى المفاوضة على استقلال الإقليم، وقد نصت معاهدة سيفر عام1920على حكم ذاتي للإقليم مدة عامين, يستقل بعدها إلا أن هذه المعاهدة قد تم تعديلها بمعاهدة لوزان 1923، وزال حلم الأكراد، إلى أن قامت ثورتهم عام 1958 في العراق, إثر انقلاب قام به العسكري عبد الكريم قاسم, وهو من أصول كردية, على الملكية العراقية وأعلن الجمهورية, فتزعم الملا مصطفى البرازاني حركة سياسية كردية تزعمها الملا مصطفى البرازاني, وانتهت باتفاق مع عبد الكريم قاسم, الذي يعتقد الأكراد انه,أي القاسم, لم ينفذ من الاتفاق شيئاً, واستمرت هذه الحركة بين مد وجزر, إلى وقعت معارك دامية في شمال العراق عام 1959عند بالاحتفال بالعيد الأول للجمهورية العراقية، وشارك في هذه المعارك الدامية شيوعيون وتركمانيون وبعض من القوميين العرب، حسب مصالح كل طرف, سيما في محافظة كركوك, واستمرت هذه الحالة من الشد والجذب والمد والجزر إلى أن تم توقيع الاتفاقية بين كل من العراق وإيران حول شط العرب عام 1975, حيث وصلت إيران بموجبه إلى المياه العذبة العراقية على شط العرب، وحصل شبه اعتراف عراقي كامل في حقوق إيران في إقليم الأهواز او عربستان، وسحب شاه إيران في ذلك الوقت محمد رضا بهلوي, سحب تأييده لحركة البرازاني الكردية ومنع الإمدادات عنها, الأمر الذي أدى إلى نهاية هذه الحركة عام 1975، ومارس بعض الأكراد دوراً بارزاً في الثورة الإسلامية في إيران كرد فعل تجاه الشاه، ونظر العراق بقلق إلى الثورة الإسلامية في إيران إلا انه يميل,أي العراق, إلى زوال خصم قوي وعنيد من الساحة الإقليمية, فربما آزر الثورة الإسلامية مؤقتاً عند تباشير نجاحها، كذلك كان الشيوعيون والقوى اليسارية في حين كان تأييد منظمة التحرير الفلسطينية لثورة الإيرانية, كان تأييداً استراتيجيا, وسقط الشاه محمد رضا بهلوي, وسقطتْ حكومته, ولم يحقق الأكراد هدفا يذكر في العراق أو إيران أو تركيا, وكان عليهم أن ينتظروا مطلع التسعينيات عشية ما عُرف بحرب الخليج الثانية, حتى يعلن الأكراد في العراق عن قيام دو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محاولة :

كتبها خلف المجدمي ، في 21 حزيران 2011 الساعة: 20:18 م


/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”جدول عادي”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin:0cm;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:”Times New Roman”;
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

أعتقد أن الذي حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا هو نتاج قوى دولية عالمية منظمة تنظيما محكما تعمل بالخفاء, استغلت الظروف لكل دولة, بل ساهمت بدفع الظروف في كل دولة إلى هذه النهاية لم يدرك الحكام والمعارضون

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محاولة أعتقد أن الذي حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا هو نتاج قوى دولية عالمية منظمة تنظيما محكما تعمل بالخفاء, استغلت الظروف لكل دولة, بل ساهمت بدفع الظروف في كل دولة إلى هذه النهاية لم يدرك الحكام والمعارضون حقيقة ذلك فكانوا مطايا لتلك القوى، وليس كشركاء معها, أما الذين تعاملوا مع الأحداث وهم مدركون لحقيقة ذلك فهم الذين حق القول على أكثرهم بالمتآمرين، وسيصل الحدث لشبه جزيرة العرب بالنهاية بعد أن يكونوا دفعوا فواتير المال لتلك القوى التي تعمل في الخفاء، لهذا أقترح أن نعمل معا ليكون هذا القرن قرنا عربيا، بمواجهة قوى الخفاء، هي المحاولة وقد تنجح وقد تفشل, لكنه الموت بدونها، وبها قد تكون الحياة ( إذا لم يكن من الموت بدا / فمن العيب أن تموت جبانا - المتنبي)، فالموت المعنوي قادم والمحاولة قد تعني حراك الحياة بمواجهة الموت، سنحاول دائما، ( ألا فلا نامت أعين الجبناء - خالد بن الوليد)، فالنجاح فيها يعني البناء الحضاري، ولكن الحزم فيها شرط نجاحها( إذا بلغ الأمر الفضيحة فاستعن / بعزم نصيح أو بتأييد حازم ). 21/6/2011 خلف المجدمي كاتب ومحامي الرقة / سورية

كتبها خلف المجدمي ، في 21 حزيران 2011 الساعة: 20:01 م


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

د.بثينة شعبان-صحيفة تشرين/ دمشق/7/2/2011

كتبها خلف المجدمي ، في 8 شباط 2011 الساعة: 10:07 ص

إضافة تعليق على المادة

آفاق ..رصّوا الصفوف…ملايين وألوف !

دمشق
آفاق
  صحيفة تشرين /  الاثنين 7 شباط 2011
بقلم: د. بثينة شعبان

في 15 ـ 16 تشرين الأول من عام 1991 أمضى الرئيس حافظ الأسد أكثر من خمس عشرة ساعة يناقش فيها العبارات التي يجب أن تستخدم في عملية مدريد للسلام للتعبير عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما في ذلك التأكيد بشكل واضح بأن (القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من الأراضي العربية المحتلة لعام 1967) وحق العودة لملايين الفلسطينيين الى أرضهم، وحقهم في قيام دولتهم الوطنية المستقلة. ومن خلال الاستشهاد برسائل من الرئيس جيمي كارتر في 27 آذار 1978 ورسائل من ريغان بتاريخ 29 تموز 1988 حاول الرئيس الأسد أن يبرهن لجيمس بيكر أن (الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني بما فيها حقوقه السياسية كانت دائماً سياسة الولايات المتحدة التي يعبّر عنها رؤساؤها) واستفاض الأسد بالحديث عن (العوامل المشتركة التي تجمع بين العرب) وأن (السلام العادل والشامل وإعادة جميع الحقوق بما فيها القدس واللاجئين هو السلام الوحيد الذي يمكن أن يكتب له الحياة) وفي لحظة عفوية قال بيكر: (لاأعلم كم سيكون العالم العربي مهماً لو أن العرب جميعاً توافقوا على هذه الرؤية إنها فكرة هائلة).

نادراً ما ينطق مسؤول غربي بما قد يفصح عن نقاط القوة لدى العرب التي لم يحسن حكامهم استخدامها حتى اليوم والتي وضعت في طريقها الاتفاقات الغربية والمعاهدات (الدولية) تحت مسميات مختلفة, ولكنّ الهدف الغربي منها جميعاً هو (إبقاء العرب مقسمين ومشرذمين). ‏

فبعد أن قطعوا جسد أمتنا الى 22 دولة، هاهم يزرعون الفتنة والانفصال في كل دولة عربية، ونشهد كل يوم محاولات جديدة لتقسيم البلدان العربية ، وتفتح مشاريع فتنة جديدة ، كما في ذلك وضع المصلحة القطرية (أولاً) وكأن ذلك في تناقض مع المصلحة العربية، وتم نشر العداء للأحزاب القومية في مقابل تشجيع المجموعات التكفيرية، وفرشت مخيلة الشعوب بوعود الانتعاش الاقتصادي في البلدان التي أنجزت اتفاقات سلام التي صممت لتكون ضمانة لهيمنة إسرائيل وغطرستها لتستمر في ابتلاع فلسطين كلها. في مقابل ذاك السلام الانفرادي، والخروج من صفوف الأمة، بلغ الصلف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين أشدّه دموية وغطرسة وإذلالاً فأصبح شهداؤهم أرقاماً دون أسماء، وأصبح هدم منازلهم، واستيطان أرضهم، وقتل الحوامل على الحواجز، واعتقال نسائهم من بيوتهم، واغتيال قيادييهم وحرمانهم من الحرية لا تستحق أن تكون خبراً في الغرب الذي دفع بعض الحكام لهذا السلام المنفرد. وساد طوال عقود (السلام) الماضية الإحباط بين صفوف الملايين من أجيال متتالية من العرب وهم يرون الدم العربي رخيصاً لدى البعض من حكامهم الذين تمادوا في مصافحة الأيدي الإسرائيلية الملطخة بدماء العرب، وتمادوا بمهادنة مجرمي حرب من أمثال بوش الذي شن الحرب على الإسلام. لقد تمادى بعض الحكام في تزوير إرادة شعوبهم وصدقوا التزوير فتراهم يتكلمون الآن عن (الشرعية) وشعوبهم تلفظهم علناً. وخلال كلّ هذه السنوات العجاف التي جلبت المآسي المذلة على هذه الأمة، ومنها حرب تدمير العراق، والحرب المستمرة على لبنان والحرب على غزة وحصار شعبها من قبل العدو و(الشقيق) كنت دائماً أكرر سؤالاً واحداً لوسائل الإعلام الغربية: إذا كنا نحن العرب غير جديرين بالحياة كما تروّجون وتصوّرون فلماذا هذا الإنشغال الدائم بنا وبمنطقتنا؟. ‏

لقد تحفَّزت واشنطن خلال الأسبوعين الماضيين بطريقة لم يسبق لها مثيل، وأخذ المسؤولون الأميركيون يعقدون اجتماعات لمجلس الأمن القومي برئاسة أوباما، وأخذت وزيرة خارجية الولايات المتحدة تعطي تصريحات كلّ ساعتين، كما أخذ غيبس الناطق باسم البيت الأبيض، وفيليب كراولي الناطق باسم الخارجية الأميركية يظهرون على الشاشات أكثر م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كناب الواحة /4 نقد الإبداع/3 روايات عبد السلام العجيلي

كتبها خلف المجدمي ، في 20 كانون الأول 2010 الساعة: 10:25 ص

 

كتاب الواحة /4
شتاء / الرقة /- 2010
 
 
خلف المجدمي
نقد الإبداع
   (3)
 
 
 
 
 
 
 
 
روايات عبد السلام العجيلي
(دراسة)
 
المحامي
خلف محمد الخلف (المجدمي)
 
الرقة ص ب 135: - سورية
تلفون :    233413 - 00963- 22
242504              - 00963 - 22
موبايل:    0932 90 77 53 00963-
 
E- alwaha97@gmail.com
 
 
نقد الإبداع :
روايات عبد السلام العجيلي
دراسة- الرقة – شتاء / 2010
 
 
المخطط
 
الفصل /1مقدمات
الفصل /2 مقارنات
الفصل /3 مواقف
الفصل /4 هواجس
الفصل /5 تطبيق
 
إهداء :
 
 
 
الفصل /1 مقدمات
 
1
 
كانت مسودات تلك الدراسة منجزة, بعد كتاب الواحة "1" الذي حمل عنوان : " عبد السلام العجيلي – سيرة وإبداع ", ومن المتوقع أن تصدر هذه الدراسة أو البحث, بعد ذلك بكتاب الواحة "2", ولكن كان ما كان, إذ كتبتُ كتاب الواحة "1" في شكله الأخير المُعد للطباعة والتداول في صيف عام 2005, بعنوان " عبد السلام العجيلي – سيرة وإبداع ", ووزعتُ بعض النسخ منه في مهرجان العجيلي الخامس للرواية العربية المعقد بالرقة, في شتاء عام 2009م, على شكل مخطوطة أو نوتة, بعدد كلمات قد تزيد عن خمس وعشرين كلمة شاملة للهوامش والصادر والفهارس, تناولت فيه عبد السلام العجيلي في فصول خمسة, تركز الفصل الأول على ميلاده والأسرة التي نشأ فيها, ومسقط رأسه الرقة, وقد تناولتُ البيئة الاجتماعية والبشرية في الرقة في ذلك الحين من خلال ذلك, ثم انتقلتُ إلى مذهبه الأدبي الذي يكتب من خلاله, والذي يرفض دائماً أن يُصنف بمذهب معين, ولكنهه ومن خلال أعماله يكتب بالمذهب الواقعي, ولكنه من نوع خاص, فهو الخيال الذي يوهمك كأنه الواقع, أو الواقع الذي يوهمك كأنه الخيال, واعتبرتُ مذهبه الواقعي, أي مذهبه الواقعي متخيّلاً, أو الخيال الواقعي, وقد يكون هذا التعبير, أي مذهب " الواقع المُتخيّل ", أو الواقعية الخيالية, أي قد يكون هذا التعبير من قبلي, غير مسبوق من احد, وأنا الآخر أكتب من خلال هواية حفرتْ مجراها عميقاً في داخلي هي الأخرى, وتناولت في الفصل الثالث من كتاب الواحة "1", موضوع هواية الأدب لديه, فهو يكتب دائماً بهواية للأدب ولم يكن يوماً من محترفيه, هذه الهواية التي أخذت كل وقته تقريباً فأنجز ما أنجز من خلالها, أما في الفصل الرابع, دور المرأة في أدبه, وما هو موقعها ومدى تأثيرها, أي المرأة, في أدبه, وقد قارنت بينه وبين نجيب محفوظ في هذا الجانب, مع إشارة لروائيين آخرين, وسبق أن نشرتُ بعض هذا الفصل بدراسة صغيرة, في ملحق الثورة الثقافي, أو مقالة ثقافية موثقة الهوامش, بعنوان " المرأة بين العجيلي ومحفوظ " وقد ضمّنتها ذلك لفصل, وختمتُ تلك القراءة, أي كتاب الواحة "1", بفصل خامس بعنوان " الرواية ", تناولتها, أي الرواية, كَفنِ إبداعي, تناولتها بإيجاز شديد, مشيراً إلى بعض رواياته, وكيفية كتابتها, وأشرتُ إلى دراسة صغيرة هي الأخرى, أو مقالة ثقافية, بعنوان " الحامل الروائي", نشرتُها في ملحق الثورة الثقافي بدمشق, وفي " المحرر العربي في لندن وبيروت ", وقد ضمّنتها هي الأخرى ذلك الفصل, في ذلك الحين كان كتاب الواحة "1" يتشكل بفصوله, وكنتُ أرسل بعض من فصل من الكتاب للصحف والمجلات فيجد ما أرسله سبيله إلى النشر, عند إنجاز الفكرة النهائية, وشكلتْ تلك الدراسات الجزئية, فصول كتاب الواحة "1", بشكله النهائي بصيف عام 2005, هذا وفي الوقت الذي كانت تتشكل مسودات فصول هذا الكتاب, أي " كتاب الواحة "4", في ذلك الحين, وكان من الممكن أن يكون كتاب الواحة "4" هذا, هو ذاته, بدلاً من كتاب الواحة "2", ولكن بحثاً,عن الإبداع الشعري للكاتبة والباحثة والدبلوماسية ظبية خميس, كان منجزاً, في صيف 2001, وتضمن الفصل الأول من الدراسة, تضمن المنهج الذي استندتُ إليه, في كتابة تلك الدراسة, والذي قد يكون, أي المنهج, هو الآخر غير مسبوق من أحد قبلي, كان البحث منجزاً عن ظبية خميس قبل أن أنجز البحث عن عبد السلام العجيلي, فآثرتُ أن يكون كتاب الواحة "1" عن عبد السلام العجيلي, وأن يكون كتاب الواحة "2" عن ظبية خميس, فكان ما كان, أن وزعتُ كتاب الواحة "2" بعنوان : " ظبية خميس ", حيث سعيتُ إلى المزيد من التوضيح للمنهج الذي استند إليه في تلك الدراسة أو البحث سيما في الفصل الثاني والثالث من كتاب الواحة "2", أما كتاب الواحة "3" فهو ليس من مجال للإشارة إليه لنمه يتناول موضوعات تخرج عن الإبداع الأدبي, كان منجزاً ومتداولاً, أي كتاب الواحة "3", في طبعته التجريبية, فقط ضبطتُ دقة صياغته في صيف عام 2010, عند إصداره في هذه السلسلة, ووزعتُ بعض نسخه كمخطوطة على المشاركين والمهتمين بالندوة الدولية عن " الإعلام والسياسة ", قلتُ كانت مسودات كتاب الواحة هذا " 4 ", منجزة, وكانت عبارة عن دراسات عن رواياته, فقد أرسلتُ بعض منها إلى الصحف فوجدتْ سبيلها في النشر, وأطلعتُ على بعض الذي نُشر, ولم أتمكن من الاطلاع على البعض الأخر, وليس لي علم ببعض الذي أرسلته للنشر ما إذا وصل أم لم يصل الجهة التي أرسلتُ إليها, ولم تكن لديّ عن المرسل صورة ضوئية, وفي النتيجة تشكّلت تلك المسودات ببطء وبخطوات منهجية, وأخذتْ شكل كتاب كامل, أو دراسة متكاملة, ومن المتوقع منهجياً أن تسبق الفصل الأول في كتاب الواحة "1" فصلاً نشير فيه إلى المنهج الذي سلكته في تلك الدراسة, ولكن وجود مثل هذا المنهج في كتاب الواحة "2", سد بعض النقص, ولكنه كان موضوع الشعر هو المحور في ذلك الحين, وفي الفصل الأول من هذا الكتاب الواحة "4", استكملتُ بعض ذلك المنهج في محور الرواية, مُشيراُ إلى نماذج من المبدعين في العالم, مثل تولستوي و دوستويفسكي وليوناردو دافنشي ومايكل أنجل, ومن ثم معنى الخلق الأدبي, ومعنى الخلق الفني عموماُ, وكيفية قراءة العمل الفني, ودور الموهبة في البحث الفني والبحث الأدبي, ثم دور التذوق الفني الذي يعتبر مرحلة تسبق البحث الأدبي, وهنا مربط الفرس وبيت القصيد, أي الذائقة الفنية في قراءة العمل الفني الإبداعي, وهي, أي الذائقة المصقولة, ثم تتالت قراءة الروايات في فصول هذا البحث, حسب تاريخ صدور الطبعة الأولى, إلى أن وصلت إلى آخر رواية أصدرها فكانت الخاتمة عن " أجملهن ", كما هي أطلق عليها الروائي, .
       
 
2
 
       دمشق, دائماً وأبداً حُبلى بالأفكار والمعتقدات, حاول الروائي عبد السلام العجيلي, تصوير الأجواء الاجتماعية والفكرية والسياسية في الشام والمنطقة, في حقبة أربعينيات خمسينيات وستينيات القرن العشرين, موضحاً الأسباب التي أدت إلى بعض التحولات التي لم تكتمل من منظار مَن عايش الحدث وكتب عنه كما رآه وليس كما هو في الواقع, فهل أفلح الروائي أم أخفق ؟, لم يكن الأديب والطبيب عبد السلام العجيلي بحاجة إلى أن أعرّف به, أو أعرّف برواياته, ولم تكن قراءتي لهذه الرواية اكتشافاً جديداً يشبه اكتشاف القارة الأمريكية, وربما يحتاج القارئ للعودة إلى تلك القراءات مرة ثانية بل ومرات متعددة أي كلما دعت الحاجة على ذلك, أو كلما ظهرت ظروف أو أحوال أو أعمال مشابهة, يقول بطل الرواية السارد طارق عمران بوصفه للرواية : إنها " تسجيل لذكريات عن وقائع حياتي الشخصية, بين أوائل الربيع و أواسط الصيف من عام 1961م إنها سجل لذكرياتي وليست مذكرات, أحداث سردتها, كما تُسردُ أحداث الحياة اليومية " ويضيف طارق عمران, الشخصية المحورية الأولى بالعمل الروائي, يضيف : " هذه الكلمات أكتبها اليوم, آخر أيان تشرين الأول / أكتوبر سنة خمسة وستين وتسعمائة وألف, تروي ذكرى حياة عشتها خلال شهور قليلة,لم تتعد الأربعة, في عاصمة بلادي (دمشق), لست مؤرخاً ولا أريد أن أكونه, ولا أستطيع أن أكونه, أرى هذا الهروب الكبير من كوارث يضيق بها صدري, فألجأ إلى القلم والورق مُتعزياً, أتعزى بالكتابة, أهرب إليها, أليس هذه هو الهروب الحقيقي, الهروب الكبير ", يعود سبب اختياري, عند قراءة روايات عبد السلام العجيلي, رواية باسمة بين الدموع, وقلوب على الأسلاك, وأزاهير تشرين المدمّاة, والمغمورون, وأرض السيّاد, وغيرها, إلى اهتمام خاص بالرواية, كونها, أي الرواية بشكلها العام, وروايات عبد السلام العجيلي موضوع هذه القراءة, شاهداً معاصراً على الأحداث, كُتبتْ بزمن معاصر للحدث, ومرور بعض الزمن على الحدث, يجعل منه مادة للروي والقص, بصورة فنية, وليست إخبارية .ما هي الرواية ؟ يقود هذا السؤال إلى سؤال آخر, ما هو الفن عموماً؟ الأمر الذي يُدخلنا بمتاهة تعريف المفهوم وتحديده, أي الرواية, وقد يتفرع السؤال إلى مجموعة من الأسئلة الفرعية تتناول الغايات كما تتناول الوسائل, لجواب عن سؤال واحد بجواب واحد, مفادهما معاً : ما هي الرواية ؟ ولابد من تعريف الرواية كإحدى الصيغ التي يمكن للإنسان أن يتواصل من خلالها مع الآخرين، ويعبّرَ عن كمٍ من الأحلام والرغبات والصور والأشياء، التي يجب أن يُشركهم برؤيتها والتعرف إليها، وبالتالي وفقاً لذلك، فهي ليست رسالة سياسية بمعنى ما, وليست رسالة اكتشاف, إنما هي رسالة وعي ومُتعه، وعلى المرء أن يقرأ كثيراً وينسى كثيراً حتى لا يقع تحت تأثير أحد الروائيين, تميلُ تلك الرؤية إلى أصولٍ في الفلسفة الماركسية في الفن والجمال، حيث اعتبرت الماركسية الفن من أشكال الوعي الاجتماعي، الذي يعكس الواقع في صورة رمزية فنية، أي أن الفن وفقاً لذلك جملة من الأحاسيس والأمزجة والآراء والنظريات التي تعبر عن مواقع الناس تجاه جمال الطبيعة وتجاه بعضهم البعض، وعليه تقوم هذه النظرة إلى الجمال على مستويين أساسيين من الفن : المستوى الأيديولوجي، الذي يضم بين دفتيه المؤلفات الفنية ونظريات الجمال العامة والخاصة, والمستوى السيكولوجي، الذي ينطوي على إبداع الجماهير في الموضة والفولكلور والإبداع الحياتي المنزلي. وتركز فلسفة جمال الماركسية على مضمون الفن الأكثر وضوحاً، تاركة الشكل الفني في مرحلة تالية عليه تحت مقولة أولوية المضمون الذي يفرض بدوره بالضرورة شكلاً فنياً ملائماً ومناسباً له، مع التأكيد على المضمون دون أن يفقد الشكل استقلاله، أو دون أن يكون الشكل محروماً من كل استقلال, هذه صيغة من الصيغ لتعريف الرواية, التي لا تخرج عن كونها جزءاً من الأدب وهذا الأخير من مكملات الفن عموماً ؟ وعليه يقوم السؤال: ما هو الأدب ؟ وما هو الفن ؟ يتساءل الناس في كل زمان ومكان عن غايات الأدب ووظائفه، بحيث لا تقف المعركة عند ضرورة الأدب وعدم ضرورته، بل يمتد الاختلاف حول الغايات التي يسعى إليها ومنه تقوم عدة أسئلة مجتمعة منها، هل يجب أن يكون الأدب ذاتياً أم موضوعياً ؟ أو أن يكون فردياً أم اجتماعياً ؟ أو أن يكون أدب جمال أم أدب حياة ؟ أو أن يكون أدب عاطفة أم أدب عقل وتفكير ؟ ثم هل يحمل رسالة أخلاقية تهذيبية أم يكتفي برسالة الجمال ؟ وهل يحسن أن يكون أدب شرح وتفسير وعرض أم أدب دعوة وهداية وإرشاد وتوجيه ؟ وأخيراً هل هو أدب هروب وحياد أم أدب رأي والتزام الخ, ومهما كان الرأي في الفن والأدب على عموم اللفظ, تشكل الرواية فيه جنساً أدبياً رفيعاً وراقياً، وبنية أدبية شديدة التعقيد، مركبة الشكل تتلاحم فيما بينها وتتضافر لتشكل لدى نهاية المطاف شكلاً أدبياً جميلاً، يقوم على اللغة والخيال والتقنيات الأخرى, ومع اختلاف في التركيب الفني الروائي تضيق وتتسع دائرة الاختلاف بوجهات النظر حول الرواية , إلا أنها تتفق, أي وجهات النظر, بمجمل عوامل مكونة للرواية الجديدة أو الحديثة، واتفقت, أي هذه العوامل, على عامل واحد موحد منحته كل أهمية وكل عناية هو اللغة، ذلك العامل الأول لكل عمل سردي وبالتالي قد تكون الرواية هي كل ما ذكر وأكثر منه أيضاً, ومهما يكن من أمر تعريفها فهو ليس مجال دراستنا هذه .
 
 
3
 
      يدور سؤال عن علاقة الباحث بالنص الإبداعي الأدبي وعن علاقته بالرواية على وجه أكثر دقة وتحديداُ في هذه الدراسة, لابد للناقد والباحث الأدبي, من القدرة على تذوق النصوص الأدبية، وهي ملكة تنشأ من طول الانكباب على قراءة الشعر، وأثار الأدباء في القديم والحديث، بحيث تصبح استجابة صاحب الملكة لما يقرأ استجابة صادقة، وهي أول خطوة في البحث الأدبي، فإذا كان التذوق هو الأساس الذي يقوم عليه البحث الأدبي فإن التحليل هو البناء كله، بل ينبغي أن يكون البناء كله، فكل ظاهرة وعمل أدبي، وقصيدة ورواية وأديب، كل ذلك ينبغي أن يُحلل إلى العناصر التي يتكوّن منها، أو قل ينبغي أن يفصل بعضها عن بعض حتى يمكن رؤيتها الرؤية الواضحة، وحتى يمكن أن معرفتها معرفة دقيقة, فالأسئلة الافتراضية هي المفتاح الحقيقي للمعرفة، فمعرفة الرواية يتوجب معرفة الفن عموماً والغايات الكبرى المرتبطة في ذلك . هنا يقودنا البحث إلى الغاية وما هي غاية الفن وغاية الأدب والرواية ؟ ومَن هو الفنان الحقيقي ؟ وما دور الاحتراف في قضية الفن؟ وهل تصل الهواية بالفن إلى الهدف المطلوب؟ وهل الاحتراف هو الأفضل ؟ أم الهواية؟ وربما قادت هذه الأسئلة الكبرى إلى سؤال آخر، كيف يتناول الناقد والباحث عملاً إبداعيا ؟ وكيف يدرس الرواية من ناحية الجمال ؟ هنا ندخل في مجال غايات النقد الفني، وهدف النقد الأدبي، وما هي الغاية من الرواية كعمل فني ونقدها, أي الرواية, كدراسة فنية علمية . تبدو الأسئلة كبيرة وبلا أجوبة, كما يبدو  الجواب أكثر دقة وأوسع شمولاً، ولا توجد وجهات نظر متفقة على هذه الأجوبة، بل هناك وجهات النظر المتعارضة والمتغيرة بآن واحد، ربما أبدى البعض وجهة نظره, أو رأيه بشكل أدبي معين في مرحلة زمنية معينة، ثم عاد إلى رأي آخر أو وجهة نظر أخرى في مراحل زمنية لاحقة من حياته كما فعل طه حسين حيث أبدى وجهة نظره في الأدب الجاهلي وعاد إلى وجهة نظر أخرى مغايرة للأولى في مراحل حياته الأدبية الأخيرة متراجعاً عن الرأي الأول الآنف الذكر. ما هو الفن ؟ وما هدفه وغايته ؟ يرى هيجل أن للفن هدفاً مُشتركاً بينه وبين العديد من تفاعلات الروح، ويتمثل في مخاطبة الحواس وإيقاظ المشاعر وإثارتها، ولمزيد من الدقة يضاف القول بأن الفن موجود كي يوقظ فينا شعور الجمال، وعلى هذا الأساس يكون للشعور المظهر الخاص، الذي نطلق عليه سمة الجمال أو مظهر الجمال، ويكون هدف الفن وفقاً لرأي هيجل، هو إيقاظ المشاعر الجمالية وإثارتها كهدف وغاية للفن في آن واحد، وأن الحواس الظاهرة والباطنة هي الوسيلة لبيان ذلك, ويبقى السؤال القائم، وماذا بعد ذلك ؟ ما هي الغاية من إيقاظ تلك المشاعر وإثارتها ؟ ربما يتطابق هذا القول مع مقولة الفن للفن أو مع مقولة الفن الذاتي, إذ ترى فلسفة الجمال الماركسية خلافا لذلك، إذ هي تقر بأولوية المضمون الذي يخلق بدورة شكلاً ملائماً, فهي, أي الجمالية الماركسية، تقاوم جميع أشكال الجمال المجاني وترفض الأمر الاعتباطي، كما تقاوم جميع الصوريات  وتربط بين الشكل والمضمون، وتؤكد على العلاقات القائمة بين الركيزة الاقتصادية التحتية من جهة, والبنية الفوقية الفكرية، أي تلتزم فلسفة الجمال الماركسية- دوماً، في مختلف جوانبها الأفقية والعمودية - بالمضمون والشكل, تميل تلك النظرة لمقولة الفن الموجه الذي هو هدف المجتمع، وبالتالي يجب أن يكون موجهاً بالضرورة، ويجعل هذا الرأي، من الفن, حالة الانعكاس الطبيعي لجملة الأحاسيس والأمزجة والآراء التي تعبر عن مواقف الناس، أو مواقف المجتمع من ناحية الجمال, لقد كانت الأسطورة شكلاً من أشكال الرواية القديمة، وكانت تعبيراً فنياً خالداً عن جمال الروح ، وكانت الأسطورة فناً ورواية، إذ انشغل الإنسان منذ فجر التاريخ بالفن، وانشغل الهنود بفلسفتهم الخاصة حول الجمال والقبح، كما انشغل الصينيون، والفراعنة وبلاد الرافدين، والفينيقيون، بفلسفتهم الخاصة بذلك, فهل كانت ملحمة جلجامش أقدم رواية شعر؟ وسجّل  اليونانيون أقدم فلسفة في الفن والرواية، أو قل هي أقدم ما وصل إلينا مكتوباً، ومازال مستمراً من خلال جمهورية أفلاطون، إذ أشار أفلاطون إلى أن الاحتراف عموماً يؤدي إلى البراعة في الحرفة والأستذة فيها، ولم يكن واضحاً فيما إذا يقصد الفن أيضاً. قد يقود هذا إلى السؤال التالي: ما هو دور الاحتراف في قضية الفن ونقده ؟ أو بمعنى أكثر وضوحاً، هل يتوجب على الفنان الاحتراف؟ هذه القضية قديمة قدم الفن ذاته وفي مختلف العصور والأمكنة، وقد عالج هذا الأمر سقراط وأفلاطون في كتاب الجمهورية، إذ تعتبر الفلسفة اليونانية الاحتراف شرطاً أساسياً للإبداع والأستذة في العلوم، ولكن هل يشترط ذلك في الفن؟! أم في العلوم فقط، وهل يمكن وجود الفن بدون العلم ؟ ربما نتفق بالرأي مع وجهة نظر أفلاطون، وربما نختلف، وفي الحالتين لابد من توضيح لأسباب الاتفاق والاختلاف، وفي الحالتين, الاتفاق أو الاختلاف, فهو حراكاً فكرياً وفنياً ويبقى السؤال قائماً، في تعريف الرواية, أو في مفهومها, قد يضع النظريون تعريفاُ لها, أو أكثر من تعريف, وقد يضيق هذا التعريف وقد يتسع ذاك, وقد يكون مفهومها, أي الرواية, فضفاضاً وواسعاً, ولكن تظل فكرة الرواية مُلحة كبحث عن ماهيتها وحدودها  وآفاقها, ونصها الإبداعي بين السردي والشعري والنقدي .
 
 
4
 
        ما هي الرواية ؟! سؤال كبير, وأجوبة متعددة وكثيرة, يتوجب في الرواية كعمل فني, وكأي عمل فني آخر, يتوجب تمام الجمال والكمال, من الناحية النظرية على الأقل, ويكون هذا الوجوب المفترض شاملاً لكل العمال الفنية, ومنه في الرواية كعمل فني, يتوجب الكمال والجمال بالمطلق, وبالتالي يتأسس القياس الفني على تمام الجمال والكمال بالمطلق, ومن ثم يتوجب الاقتداء بهذا المطلق, ولما كان الكمال الفني, ومنه الجمال أيضاً, كان محالاً, سيما في الخلق الفني الذي هو من صنع البشر على وجه الدقة واليقين, ولما كانت غاية الفن والإبداع, بلوغ ذلك التمام من الجمال والكمال المستحيل بلوغه, لهذا ستكون غاية النقد,  ومنه النقد الأدبي, ملاحظة مدى الوصول إلى تمام جماله, أي العمل الفني, وكماله أو مدى ملاحظة حالة وجود البعد أو الاقتراب من ذلك التمام جمالاً وكمالاً, من عدمها، وبالتالي, ملاحظة مساحة النقص الحاصل, بين جمال العمل الفني, من جهة وجماله المطلق المفترض من جهة أخرى, مع التمني على المبدع, والعمل الإبداعي, لو بلغ تمام الجمال الكمال بالمطلق, ولو لاحظت عين المبدع ذلك النقص, أو ذاك التقصير, لأكملته, ولكنها اعتقدت, أي عين المبدع وقت حصول الإبداع وإعلانه للناس, بوصولها إليه كاملاً بتمام جماله وكماله, ولهذا كانت عين النقد أكثر موضوعية, عند ملاحظتها مقدار الكمال الحاصل, ومنه الجمال, مقدار النقص المتبقي منه, وبالتالي أشارتْ إلى تمني الكمال, وهي محاولة من عين النقد, إلى إعادة خلق الجمال, بعين ذاتية تقديرية, ومنه تكون قراءة العمل الإبداعي, والجمالي, بعين ناقدة, تكون إبداعا جديداً, وبصورة جديدة, وتكون القراءة النقدية، كما النظرة تلك, محاولة لبيان ما أجاد المبدع المقلد للكمال المطلق وما أنقص, وبالتالي تكون القراءة النقدية عرضاً جديداً للصورة الفنية, وقراءة جديدة للعمل الإبداعي, وعليه يشكّل النقد إبداعا جديداً, للفكرة ذاتها أو لعمل الفني ذاته, من حيث قبولنا لهذه الفكرة, أو رفضنا لها, شعرنا بذلك أم لم نشعر, رغبنا أم لم نرغب, هي كذلك من حيث النتيجة والمآل, ولهذا السبب تدفع قراءة عين المبدع لعمله الإبداعي السابق قراءة إبداعية جديدة بعين ناقدة جديدة, تدفعه لخلق إبداعي جديد (1), وقد يكون المبدع ناقداً لعمله الفني في مرحلة تلي إعلانه عنه للناس, وقد يتملكه الإعجاب به إلى درجة الهوس, كما قال النحات الايطالي, بعصر النهضة, مايكل انجل للتمثال موسى, انطق, أو ينكر المبدع عمله الإبداعي بسبب تغيير منهجه الفكري, أو رداءة العمل بنظره, أو فقدانه لذاكرته الخلاقة التي خلق فيها ذلك العمل . تبدو محاولة الجواب على سؤال : هل البحث الأدبي موهبة أم دراسة ؟ أم هو المزيج بين هذه وتلك ؟ تبدو محاولة الجواب مفيدة, قد يكوّن البحث الأدبي, ومنه النقد الأدبي, مادة جديرة بالقراءة والاهتمام, ولكن هل يكوّن البحث الأدبي, ومنه النقد الأدبي, موهبة, هنا مربط الفرس, قد تكوّن دراسة نقد الجمال عموماً, ومنه النقد الأدبي, قد تكوّن مادة تستحق الدراسة والمتابعة ولكنها قد لا تكوّن موهبة, لأن الموهبة, شأنها شان الإبداع, تتحقق للبعض دون البعض الآخر, قد يكوّن البحث عموماً, ومنه البحث الأدبي والنقد, إبداعاً جديداً للموضوع ذاته, بشرط وجود الموهبة, أي قد يكون النقد موهبة حقيقة, وقدرة فعلية, قد تتحقق للبعض من الباحثين والدارسين, وقد تتألق تلك الموهبة, فتضفي على العمل المنقود أو المدروس أو المبحوث, جمالاً جديداً, أو تعطيه الجمال أو اللون الذي يستحقه, بدون إفراط أو تفريط أولاً, ثم يأتي الدرس والتحصيل العلمي والممارسة والتجربة كعوامل مساعدة لصقل تلك الموهبة ثانياُ, وقد لا تتحقق تلك الموهبة للبعض الآخر من الدارسين, وبالتالي يتحقق البحث العلمي في الدراسة الخالصة بدون موهبة, ويظل الغرض المطلوب من البحث أو الدراسة منقوصاً, وثالثاً وأخيراً يأتي التذوق الشخصي الفني كعنصر مكمل للبحث الأدبي, الذي ينفخ فيه الروح التي بدونها, أي الروح, أو بدونه, أي التذوق, يصبح الجمال جماداً, لهذا قد نصل إلى جواب مفاده : قد يكون البحث الأدبي موهبة, تصقلها الدراسة والممارسة وسعة الاطلاع, ويضفي عليها الذوق أو التذوق وجمالاً, ومن هذه الجوانب الثلاثة, يتكون البحث الأدبي, لهذا قد يكون الباحث أو الدارس والناقد مبدعاً, ويصبح البحث الأدبي حرفة ميكانيكية بدون وجود الموهبة, يكون المبدع خالقاً للعمل الإبداعي, عندما ينفخ في هذا العمل شيئاً من روح المبدع عينه,(الباحث), ويرى بعض الباحثين في حقل النقد الأدبي, يرى بروز الجانب الشخصي في النقد بروزاً كبيراً لأن " أساس النقد, مهما قلبنا أوجه الرأي لا يمكن إلا أن يكون التجربة الشخصية, وكل نقد أدبي لا بد أن يبدأ بالتأثر والتجربة المباشرة لإدراك حقيقة ما, إدراكاً صحيحاً, أي لا بد من تعريض أنفسنا للمؤلف الأدبي والبحث عن تأثيره فينا, ولكن إذا كان الذوق وسيلة للإدراك, فانه ليس وسيلة للمعرفة التي تصح لدى الغير,   فالذوق عنصر شخصي, والمعرفة عنصر شائع, والملكة التي يتحول بها الذوق معرفة, هي ملكة التفكير, فبالفكر ندعم الذوق, وننقله من خاص إلى عام, ويتفرع النقد الأدبي على أساس التجربة الشخصية, إلى مذهبين كبيرين: الأول المذهب الذاتي أو التأثري, والثاني النقد الشيئي أو الموضوعي " (2), يقودنا هذا الأمر إلى البحث في معنى الإبداع, أو معنى الخلق الأدبي, في محاولة الجواب عن معنى الخلق الأدبي, والتذوق .
 
 
5
 
     يرى البعض " الخلق, أي الأدبي والفني, ليس معناه أن تخرج من العدم وجوداً, إنما في الأدب وفي الفن, وربما في كل شيء, هوان ننفخ روحاً جديداً في مادة موجودة, فالأديب الحق هو الذي يجعلك تدرك عمقاً جديداً كلما أعدتُ مطالعته, ويخطئ المجتمع دائماً فهم الفنان, كلما أراد أن يطبق عليه, أي على الفنان, قانوناً ثابتاً, ربما كان الجزاء الحقيقي للمفكر هو الفكر ذاته, أي لذة الفكر ذاتها, لذة الكشف عن تلك الأسرار التي تزخر بها نفسه, ونفس الإنسانية, وحتى في مجال الفكر السياسي تحتاج كل مواجهة للجماهير,حتى في أنبل أوضاعها, تحتاج إلى نوع من البراعة, يتنزه عنه- أي عن نوع البراعة- المفكر, لأن عمل الأديب أو المفكر هو خلق وتكوين أولئك الذين سيكونون قادة للجماهير, يخلق الفنان الحق بدافع تحقيق ذاته, أي متابعة التطورات والتغيرات التي تُحدثها ملكاته, ويظل الفنان أو الأديب يبحث عن أسلوبه إلى أن يجده, فيصبح بعد ذلك سجينه إلى الأبد, الأدب يمناه الخلق الذي ينتج ويبتكر, ويسراه النقد الذي يُنظّم ويُفسّر, فالأدب منقوصاً بدون النقد, ولا يقوم النقد بدون الخلق, فمهمة الأدب خطرة, لو علم رجل الأدب خطر مهمته لفكّر دهراً قبل أن يخط سطراً, يمثل الممتاز في العلم والفن, يمثُلُ خلاصة التاريخ الثقافي لبلده الذي قد تمتد جذوره إلى مئات السنين, لهذا كان من الصعب على أمة أن تدّرب وتظهر عالِماً أو فناناً بالسرعة التي تدرّب بها اللاعب الرياضي, تهبط في الحال المهن الراقية بدون رقي, تهبط إلى مستوى المهن اليدوية, يخلق الكاتب أو الفنان لنفسه أولا,لأن عمل الخلق الإبداعي هذا يسره ويسعده, فتخلّده أعماله الممتازة, التي غالباً ما تستقل هذه الأعمال عن خالقيها, وعن الجيل الذي خُلقتْ فيها هذه الأعمال, أي تستقل عن الآخرين المعاصرين أو اللاحقين لها ولكن قلة من الكتّاب والفنانين ترتبط أعمالهم بحياة الآخرين ومصائرهم, وتصبح صلة الناس والأجيال بهذه الأعمال أوثق من الصلة بخالقيها الأصليين, أي تصبح هذه الأعمال الخالدة ملكاً حضارياً وتاريخياً وأثراً حضارياً خالداً, ليس لشخص واحد أو عائلة واحدة أو أسرة واحدة أو جيل واحد أو شعب واحد أو حتى أمة واحدة " (3), ثم ماذا عن الذوق الأدبي في عملية الخلق الأدبي أو الإبداع الفني, ومنه ماذا عن الذوق أو التذوق في النقد الأدبي, يبدو لي كما يبدو لبعض الآخرين أن التذوق الأدبي شرطاً أساسياً في عملية النقد والبحث الأدبي " لا بد للباحث الأدبي من القدرة على التذوق للنصوص الأدبية, وهي ملكة تنشأ من طول الإنكباب على قراءة الشعر وآثار الأدباء في القديم والحديث, بحيث تصبح استجابة صاحبها لما يقرأ استجابة صادقة, وهي أول خطوة في البحث الأدبي, فالبحث الأدبي لا يكتفي بوصف أحاسيس الباحث إزاء الآثار الأدبية, بل يحاول أن يعلل هذه الأحاسيس, وأن ينتقل من التذوق إلى العلل والأسباب انتقالاً يحلل في تضاعيفه الأثر الأدبي, تحليلاً يوضح عناصر جماله وتأثيره في النفوس, وإذا كان التذوق هو الأساس الذي يقوم عليه البحث الأدبي, فإن التحليل هو البناء كله, أو قل ينبغي أن يكون البناء كله, وكل عمل أدبي ينبغي أن يُحلل إلى العناصر التي يتكون منها, أو قل ينبغي أن يُفصل بعضها عن بعض, حتى تُرى رؤية واضحة, وحتى تُعرف معرفة دقيقة " (4),  لهذا يبدو المبدع - للعمل الفني, ومنه العمل الروائي- ناقداً لعمله, فهو في الغالب, أي المبدع, غير راض كل الرضا عن عمله الإبداعي الذي قدّمه للناس فكتب تولستوي  عندما ظهرت رواية الأخير الحرب والسلم, كتب إلى صديقه الفيلسوف والناقد الأدبي نيقولا ستراخوف كتب أي تولستوي, يقول : " كنتُ أعلم أن هذا العمل, أي مليء بالأخطاء, وكنتُ أتوقع له هذا النجاح الذي لاقاه ", ففي حين رأى تولستوي القليل من الأخطاء في كتابه الألف باء, وأنه يعرف, أي تولستوي, تفوقه, أي الألف باء, الهائل على جميع الكتب الأخرى, " إلا أني لا أنتظر له نجاحاً ", لاحظ لم ينتظر تولستوي نجاح  الألف باء الذي يتضمن القليل من الأخطاء, في حين توقع نجاح رواية الحرب والسلم التي تتضمن الكثير من الأخطاء, أي أن عين النقد الصادرة عن المبدع ذاته ليس بالضرورة تكون ذات عين النقد الدراسي, أو ذات نقد عين المتلقي, قد يكون المبدع مؤرخاً لعصره, ولكن ليس بصيغة التوثيق التاريخي, ولكن بصيغة التاريخ الأدبي, أي يوثق المبدع أحاسيسه هو عن مشاكل عصره, معتقداً أنها أحاسيس أمة أو شعب أو جيل بأكمله, وبالضرورة يجب أن تكون أحاسيسه, أي المبدع, صادقة, وليس بالضرورة أن تكون هذه الأحاسيس متفقة والإحساس الجمعي في ظاهر الحال, لأنها أحاسيس فردية وليس بالضرورة تكون ذات صفة جمعية, أي تاريخه الفني صادقاً بالنسبة لأحاسيسه هو, فقد " عاش تولستوي أكثر من ثمانين عاماً, وكان شاهداً ومشاركاً في أحداث كبيرة وهامة, وانطبعتْ في أدبه الحياة الروسية, عن كل القرن التاسع عشر, لقد نمى أدبه على أرضية عصره, وأصبح مرآة ووثيقة تاريخية مدونة, وبوقاً قوياً لعصره," ولكن هل كان عصره أي عصر تولستوي كما صوره هذا الأخير, أبداً لم يكن كذلك, بحرفية عدسة التصوير الفوتوغرافي, ولكنه كذلك بعين الرسام الذي يرسم حقل القمح, الذي يضفي عليه نظرته لهذا الحقل .
 
6
 
      وربما كانت الوجوه للوحات ليوناردو دافنشي, كانت رسماً لوجه واحد يعني هو الرسام عينه, فهل رأيتم الجيوكندا ذاتها ؟ طبعاً لم تروها, ولكن رأيتم وجهها الذي رسمه ليوناردو, كذلك لم تروا زنوبيا ولكن رأيتم وجهها المنحوت على الصخر كمثال لها, ولكن هل هو وجه الجيوكندا, وهل هو وجه زنوبيا؟ وحتى لو كان الوجه لها, فهل رسم وجهها ذاته كما هو عليه, أم رسمه كما رآه الفنان ؟, فالأديب مؤرخ الفكرة التي يراها, قد لا ينشغل جمهور الناس كثيراً بهموم الأديب عندما يكتب الأخير بدافع من أحاسيسه الصادقة, أي عندما يكتب, أي الأديب للتعبير عن نفسه, وقد يلحق ذلك الجمهور بالأديب الذي يلامس رغباتهم وغاياتهم وأمانيهم الحالية والمؤقتة, وربما غرائزهم, وقد يلحق جمهور الناس بالأديب الذي يلحق بالسائد أو بالرائج من الفكر أو الأدب أو الفن, وفي الوقت عينه يلحق الأديب المبدع بالجمهور الذي يلحق به هو, وتنمو حلقة مفرغة يدور فيها الجمهور والأديب بآن واحد, ولا تتجاوز شهرة ذلك الأديب المبدع تلك الدائرة إلا لماماً, وقد لا يتجاوز زمنه أو عصره, أما المبدع الذي يبدع بوحي من أحاسيسه الصادقة, وبوحي من فكره تنمو شهرته وتتسع في البداية بطيئة, لكنها, أي هذه الشهرة, تنمو وتتسع بثبات وديمومة, ثم تتسارع لتتجاوز حدود المكان والزمان, أي حدود العصر والوطن," وتعجب مكسيم جوركي الذي تعرف إلى تولستوي في بداية عام 1900, من سرعة نمو شهرته, أي تولستوي, التي تخطتْ, في السنوات الأخيرة من القرن لتاسع عشر, حدود روسيا بل حدود أوربا والعالم كله, حيث يعتبر جوركي, بأن كتابات تولستوي هي حصيلة ما عاشه المجتمع الروسي, طوال القرن التاسع عشر, وتُعتبر هذه الكتابات, حسب جوركي, عرضاً وثائقياً للأساليب التي أتبعتها الشخصية الفذة, في ذلك القرن, لتجد لنفسها عملاً ومكاناً في تاريخ روسيا ", تُرى كيف كتب تولستوي رواياته ؟ لعله استند إلى بذرة حدث واقعي, فكان ذلك الحدث الروائي الشرارة التي أشعلت فتيل إبداعه, فمثلاً تعود بذرة رواية البعث لتولستوي إلى حدث واقعي, مفاده أنه كان تولستوي على علاقة ممتازة مع النائب العام أ.ف.كوني, وهو حقوقي شهير ذو فكر متحرر, ونزاهة خلقية عظيمة, أفضل ممثل للحقوقيين الروس من جيل 1860, وقد تمتع بموهبة أدبية حقيقة إضافة لموهبته القانونية, والذي قص على تولستوي واقعة حقيقية مؤثرة في حياته القانونية, ومفادها, زيارة شاب من المجتمع الراقي, وأراد أن يُسلّم ظرفاً مختوماً إلى إحدى السجينات, ورفضت الإدارة عليه ذلك, فقصد النائب العام يطلب عونه, واهتم كوني في الأمر فوجد أن السجينة كانت مومساً, ومحكومة بسبب سرقتها مائة روبل من تاجر كان بزيارتها, وقد كانت قبل ذلك فلاحة صغيرة يتيمة, اشتغلتْ خادمة لدى سيّدة ثرية فدللتها, فأغراها ابن تلك السيّدة, وحملتْ منه, وطُردتْ من البيت, وغرقتْ شيئاً فشيئاً في الدعارة ", قد يكون تولستوي هو ذلك الشاب من المجتمع الراقي الذي قصد النائب العام, أو قد يكون قد ارتكب الخطأ عينه الذي ارتكبه ذلك الشاب الذي تحدّث عنه النائب العام أ . ف. كوني, وقد يعزز هذا الرأي ما قاله تولستوي لكاتب سيرته بيريوكوف : " أرجوك, والكلام موجه من تولستوي لكاتب سيرة الأخير, أن تثبت في سيرتي, أي سيرة تولستوي, بعض الأحداث, وهي أولاً, صلتي بفلاحة من قريتي قبل أن أتزوج, وثانياً الجريمة التي ارتكبتها بحق الوصيفة ماشا التي كانتْ تقطن في بيت عمتي, كانتْ ماشا عذراءً فأغويتها, فطُُردتْ وسقطتْ "(5), يبدو عدد الأشخاص في روايات تولستوي كثيراُ, حتى يظن المتلقي أنه يعيش معهم في مدينتهم أو مزرعتهم, أو في بلادهم, وعائلاتهم, وعلاقاتهم, الشخصية والاجتماعية والرسمية, ومع وجود هذا العدد الكثير بل والكثير جداً من الأشخاص, فقد تمكن تولستوي من الوصول بهم إلى البر الروائي الإبداعي, دون أن يفقد المتلقي شيئاً من المتعة في الحدث والروي والسرد, فالسرد عند تولستوي متعة روائية بحد ذاته,  أما عدد الأشخاص, في رواية دوستويفسكي, الجريمة والعقاب, كان قليلاً, وتحليلهم عميقاً, والبنية الروائية مكثفة, والموضوع مركزاً, " ومع هذه البنية المكثفة المركزة للموضوع, فإن عدد أشخاص الرواية ليس كثيراً, هم جميعاً مرتبطون بالبطل الرئيسي ارتباطاً مباشراً, بيد أن الرواية تقدم لنا تصويراً واسعاً متعدد الجوانب, بفعل إدخال العديد من المشاهد الدقيقة والمادية من حياة المدينة, ومناقشة أشخاص الرواية لآخر الأنباء والإشاعات وما شابه ذلك, وهذا ما يخلق إشباعاً فنياً لنسيج الرواية الفني, بالأحداث والوقائع, ويقع على عاتق البطل الرئيسي العبء الأكبر من موضوع الرواية, كما هو الأمر في روح الرواية الفنية وجوهرها حيث يبرز البطل الرئيسي كحلقة وصل رئيسية, وكمحور ارتكاز يربط بين ميع المشاهد والأصوات المتعددة ", يبدو لي أن دوستويفسكي هو الآخر قد ترك أثراً كبيراً في الرواية العالمية, لأنه كتب عن أحاسيسه وعن فكره هو, ولم يكن يكتب بوحي من ضغط معاصريه, كان يكتب لأنه يريد أن يكتب, للتعبير عن نفسه, وليس لإرضاء أمير, أو بضغط من وحي الخوف, ويبدو أنه لم يكن كثير الاهتمام برواج كتاباته بزمن معاصريه, فوصل إلينا بما هو عليه متجاوزاُ مكانه وعصره كروائي يتحدّث عن أحاسيسه بطابعها الإنساني, فتمكن من الغوص عميقاً بداخل نفسية الشخصية في الرواية متفاعلاً معها, حتى ليتمكن المتلقي من معايشتها .
 
الفصل /2 مقارنات
 
7
 
      هل تظن برواج أعمال دوستويفسكي الأدبية يعصره, أبداً, كما أنه هو الآخر لم يجد الاهتمام اللازم من معاصريه, لأن "هناك أعمالا أدبية كثيرة وأدباء كثيرون, استقبلوا بحماس كبير من قبل معاصريهم, وأحياناً من قبل الجيل الذي أتى بعدهم, ولكن مجدهم كان عابراً, سريع الزوال, ولا يحظون لدينا الآن بذلك الاهتمام الكبير الذي حظوا به لدى قرائهم الأوائل, وعلى العكس من ذلك ثمة كتّاب عظام, وأدباء بارزون, كانتْ أهميتهم تزداد وتتعاظم مع مرور الزمن, ولم تنكشف للإنسانية عظمتهم وعبقريتهم بصورة كاملة إلا في الأفق التاريخي الرحب لعصرنا, و دوستويفسكي بلا شك واحد من هؤلاء الكتاب والمفكرين العظام " (6).يشكل النقد الأدبي الاستجابة الحية لأهم أحداث العصر الأدبية, ومهمة النقد الأدبي تحليل هذه الظواهر الأدبية أو تلك, تحليلاً شاملاً, وتقويماً فكرياً وفنياً, ويمكن أن يتناول التحليل النقدي الأدبي عملاً أدبياً واحداً, أو مجمل إبداع كاتب ما, أو عدة أعمال أدبية لمجموعة من الكتّاب دفعة واحدة, فالناقد مدعو إلى مساعدة المتلقي على فهم العمل الأدبي الذي يقوم بتحليله فهماً صحيحاُ, وتقديره التقدير الذي يستحق, وهو مدعو إلى دعما لنمو الإبداعي اللاحق عند الكتّاب أنفسهم, إذ يبين الناقد الجوانب الايجابية والسلبية في هذه الأعمال أو تلك, يساعد الكتّاب على تطوير وتحسين ما هو قيّم وثمين, وعلى تجاوز ما هو خاطئ ومخفق, ويؤكد هذا الرأي على ضرورة تحليل الظواهر الأدبية تحليلاً شاملاً, قد يعي الناس الظواهر المتعلقة بنشاطهم المعاشي, وما يرافق ذلك النشاط من تقويمات ومعطيات جمالية, ولكن الفنان وحده هو الذي يقوك بتحويل هذه المعطيات إلى شكل مادي, يتمثل بعمل فني أبداعي, ويُعبر الوعي الجمالي عن قدرة الإنسان على فهم الخصائص الجمالية في الموجودة في الواقع والفن, والتمتع بها, كما يمتاز الوعي الجمالي بكونه وعياً شاملاً, وذلك من خلال تفاعله, أي الوعي, مع الفن من جهة, ومع الأخلاق والفلسفة والدين من جهة أخرى, ولا يتحول الفن بتفاعله إلى ظاهرة أخلاقية أو فلسفية أو غير ذلك, بل يظل الفن ظاهرة جمالية, فوعي الجمال ليس مجرد ابتلاع للمعلومات التي تنقلها حواس الإنسان , بل هو النشاط الذي يحمل دائماً طابعاً إبداعيا ايجابياً, تساهم المعارف التي كرستها الأجيال السابقة في تطويره, وبالتالي تساهم في تطوير قدرة الإنسان على الإبداع, لهذا قد تكون ترى المبدع والناقد ملا يراه الإنسان العادي أو المتلقي العادي, لهذا يكون المبدع سجلاً لأحداث عصره, كما يراه هو وليس كما هو عليه العصر ذاته(7). تُرى كيف كتب عبد السلام العجيلي رواية باسمة بين الدموع ؟ كم استغرق من الوقت حتى أتم كتابة فصولها ؟ وكيف قرأها الروائي نفسه كناقد لها بعد نشرها كرواية؟ يُقرُّ كاتبها ذاته بوجود ثغرات فرضتها الظروف الخاصة التي كتب فيها الرواية, التي ارتجل موضوعها يقول : " كان  وكانت( الأحد ) مجلته, فقد أقترح عليّ صديقي المأسوف عليه رياض طه, في آخر صيف عام 1957, أن أكتب رواية أنشرها في مجلته " الأحد ", في فصول متسلسلة, وألزمني بعقد كتبه لساعته وحملني على التوقيع عليه, وهكذا ولدت باسمة بين الدموع, أثري الروائي الأول, إن بناء باسمة يحمل في نظري أنا كاتبها ثغرات فرضتها الظروف الخاصة التي ألفتها فيها, وهذا لا يحول بيني وبين القول أن هذا الأثر يحمل أكثر خصائص مذهبي الروائي, الذي يتبدى في رواياتي التالية, إن موضوعها كان مرتجلاً, بنيته أو تخيلته, أو ابتكرته لأسوّغ, به العنوان الذي اخترته لتلك الرواية, كان عليّ طبقاً للعقد الذي وقعته, أن أكتب رواية عاطفية, مشوّقة, ولم يكن في ذهني أي تصوّر سابق لأحداثها, غبر أن الأفكار التي عبّرتُ عنها هي أفكاري, التي ما كانت بنت يومها, بل حصيلة تراكم التجارب والمحاكمات والقراءات الكثيرة, كما أن طريقتي في عرض الموضوع لم تكن مرتجلة, إنها أسلوبي في مباشرة أي موضوع, أعالجه عن طريق الكتابة ", ويوضح الروائي في مكان آخر, الزمن الذي كتب خلاله, أي مدة إنجازها, وطريقة كتابتها, وأنه, أي الروائي, بالقول عن أثره الروائي الأول في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين : " كتبتُ باسمة بين الدموع في سبعة شهور, وقد انتهت في تلك المدة لأنني كنت ملزماً بكتابتها لصديق استكتبني تعهداً قانونياً بمدة محددة, وأخذ ينشر القصة مسلسلة, في مجلته, وكنت أرسل إليه الفصل قبل أن أعرف ماذا سيحتوى الفصل التالي الذي لم بُنشر بعد, لهذا لم أكن راضياً كل الرضا من الناحية الفنية, ألفتها في زمن كانت فيه مشاغلي الطبية أقل مما هي عليه اليوم, ولم يكن لديّ ّمشاغل عائلية, كنتُ متحرراً مما أنا مثقل به اليوم ",ويضيف الروائي عبد السلام العجيلي في مكان آخر, كناقد لعمله الروائي الأول بعد تجربة روائية أخرى, وبعد تجربة أدبية أخرى غنية وحافلة, أنها, أي الرواية, شكلاً من أشكال الذكريات الإنسانية والعاطفية, مضيفاً إليها تجربة روائية ثانية صدرت له بعد أكثر من عقد من الزمن بعنوان, قلوب على الأسلاك, يقول : " إن القارئ الحصيف يمكن أن يأخذ فكرة عن تلك الذكريات الإنسانية والعاطفية, اقرأ أعمالي القصصية وغيرها, اقرأ باسمة بين الدموع, وقلوب على الأسلاك, ومحاضراتي اسأل المجرّب مثلاً وفهمكم كفاية  ", كما قال .
8
 
يقرأ العجيلي بعين ناقدة, وبعد أكثر من عشرين عاماً, أثره الروائي الأول, باسمة بين الدموع, ثم يقرأه بعد أكثر من أربعين عاماً, فيكون قبوله لعمله أكثر فيقول :  " حين أعود إلى الأثر الفني الذي كتبته أجدني راضياً على اعتبار أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان ", ويعتقد العجيلي أن تلك الرواية مقبولة " بالقدر الذي يرضى فيه كاتب عما يكتبه, خصوصاً إذا كان مُدققاً ناقداً لنفسه ", يلاحظ الدارس لروايات العجيلي, أنه يكتب بطريقة خاصة به, لم يتغير من حيث الجوهر والمضمون, ثم يتحدّث فيقول : " أنا لست صاحب مدرسة, وإنما أنا صاحب اسلوب واقعي في الفن, وأني حرصتُ على هذا الأسلوب منذ البدايات حتى اليوم, لم يتغير الرجل فلم يتغير أسلوبه " , تبدو رواية باسمة بين الدموع معبرة عن خلجات نفسه, كذلك حال رواية قلوب على الأسلاك, إذ يكشف من خلالهما عن تفاصيل دقيقة من ذكرياته الإنسانية والعاطفية خلال فترات النفوذ والسلطان, كما أن أكثر أعماله الروائية تشير إلى ذات الكاتب الروائي, الذي تحدّث عن رواية قلوب على الأسلاك بإيجاز شديد بالقول :  " إني لا أعلن على الملأ ذكرياتي الإنسانية أو العاطفية, لا أعلنها على ملأ السنة التي تحدّثت عنها بهذا الكلام أعني سنة 1965, لأن قليلاً من الناس يصدّق أنها أجمل ما في نفسي في فترات النفوذ والسلطان, فهل تظن أن ملأ عام 1966 أجدر من الأولين بفهمي وتصديقي, إن القارئ الحصيف يمكنه أن يأخذ فكرة عن تلك الذكريات الإنسانية والعاطفية ", وتحتاج الرواية إلى عنصر الزمن الطويل لانجازها, الذي قد يستغرق عشر سنين, أكثر أو أقل قليلاً, ولم يوضح ماهية الرواية " الطويلة المرشحة لتكمل قبل غيرها, هي رواية بدأتها منذ سبعة أعوام, أعطني شهرين من الوقت أكون فيه متفرغاً, أعطك الرواية كاملة, وإلا ستحتاج سبعة أعوام أخرى على الأقل كي تتم ", كما انه لم يوضح ماهية الرواية التي فكر " مرة بكتابة مطولة تقع في أجزاء, يتتبع فيها مسيرة حياة أسرة بدوية من خلال حيوات أفرادها جيلاً بعد جيل, ذلك كان طموحاً كبيراً لصبي لم يكن له من تجارب الحياة ولا من معاناة الكتابة ما يستطيع أن يحققه بها ", ولم يوضح بعض التفاصيل عن هذه الأسرة البدوية  (8) . ثم ماذا عن القضايا الإنسانية الكبرى ؟ كانت رؤى العجيلي واضحة بكتاباته وأدبه تجاه قضية فلسطين والصراع العربي- الصهيوني, سأل الشاعر والمحامي بسام البليبل في محاورة شعرية,سأل عبد السلام العجيلي, السؤال التالي : " للشعر إني هاجر, قد قال ذلك فوكنر / ومضي يدبِّج قصة, فيها البيان مسطر/ حتى لنوبل قد جنى, أترى لنوبل تنظرُ ؟ ", فأجابه : " كتبتُ مقالات وشعراً وقصة, لأعرب عن ذاتي وليس لنوبل / وما خطرتْ لي في الزمان خواطر, بأن مقامي سوف يزهو بمقولي / ولا كنتُ تواقاً إلى كسب شهرة, فأكبر همي أن أعيش بمجهل / لغيري أن يسعى لنيل جوائز, فكل الذي أبغيه خطُّ بأنملي / أعبر فيه عن مثار مشاعري, بسقط اللوى بين الدخول فحومل ", وقد أشار العجيلي لجائزة نوبل وكيفية منحها, في كثير من مقابلاته الأدبية, وانه لم ينظر إليها يوماً, في الوقت الذي كان ينظر إليها نجيب محفوظ, يعترف البعض انه أعاد قراءة الأخير على هدى ومعرفة جديدة, فبحث " عن الغامض المستور خلف السطور,وليس عن المباشر والمعلن المنشور, ولم يجد أي ذكر لقضية فلسطين, والصراع العربي- الإسرائيلي في كل كتابات محفوظ, ", فلماذا يتجاهل كاتب العرب الضخم مأساة العرب الضخمة؟!! , وهل كان يسعى إلى " جائزة نوبل التي يسيطر عليها جهابذة الصهاينة ", والإشارة غي كافية بكلمته التي ألقاها باللغة العربية أمام لجنة جائزة نوبل, اعتبر " أن اللغة العربية هي الفائزة بالجائزة " وأضاف : " في الضفة وغزة أقوام ضائعون, رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجداهم وأجداد أجدادهم, هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي, وهو أن يكون لهم موضع مناسب, يُعترف لهم فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة, رجال ونساء وشباباً وأطفالاً, تكسيراً للعظام وقتلاً بالرصاص وهدماً للمنازل وتعذيباً في السجون والمعتقلات, ومن حولهم مائة وخمسون مليوناً من العرب, يتابعون ما يحدث بغضب وأسى, مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين في السلام الشامل والعادل ", فهل يكفي قوله هذا ؟ وقد يكون للروائي عبد السلام العجيلي رؤى تجاه الاشتراكية أو الفكر الاشتراكي ",  ولا يختلف موقفه من الاشتراكية كثيرا عن موقف دوستويفسكي الذي أدانها بذاتها, وليس إدانة أساليب تطبيقها , ترى هل تحولت الرواية لشكل تاريخي ؟ إذا أصبحت كذلك فأين الجانب الفني فيها ؟ وقد استخدم الروائيون أدوات المؤرخ والفنان في الوقت نفسه, ضمن مسارات متعددة : هي الانسيابية, والنقدية التاريخية, والتاريخية سبيلاً لقراءة الحاضر أو الراهن, ومقاربة التاريخ والتخييل أو التخيل, واستعادة التاريخ بطريقة الكتابة التاريخية , وهل من الطبيعي أن يكون خالق الأدب ناقداً , ثم يكون وجود النقد الأدبي سابقاً للتاريخ الأدبي ؟ وبالتالي يكون الإبداع تكميلاً لملاحظة النقص الحاصل في الكمال: هل النقد الأدبي أقدم أم التاريخ الأدبي هو الأقدم ؟  ما رأيكم ؟            
 
9
 
         سأحدّثكم عن باسمة عشيقة سليمان, تلك الفتاة التي ولدت بدمشق القديمة, طفلة بطور النمو, فتاة طيبة حبتها الطبيعة بأكثر من أي شيء جميل, وصانت هبة الطبيعة فعكفت على عواطفها تغذيها بالفن وعقلها تغذيه بالعلم وجسدها تعني به, هي باسمة أبداً ومرحة دائماً, شِعر هنا وفِكر هناك, لحن هنا وأمل هناك, طفلة في طور النمو كيانها, لم يكن جسدها أو تفكيرها أ و روحها, قد أتم نموه, أو أخذ هيئة النهاية, زوجوها, وهي بسن ثلاثة عشر ربيعاً, لهيكل محنط من الهياكل الساكنة في قصور دمشق القديمة المستترة وراء الجدران العالية, وكانت – قبل زواجها – تعود إلى الحي القديم, بغدائر شعر طويل طليق غزير, وبوجه سافر مورد, في أزقة لا يزال الحجاب يستر فيها وجوه بنات عش, وكأنها جنية تتجول بخرائب مدينة مسحورة, وبزواجها وعتْ نفسها, فثارتْ وتحررت من الزواج ومن القيد, وحصلت على ثقة الآخرين بها واعترافهم بحريتها التي لم تطلبها, بل رفعت بيديها عنها الحجب, وأرختْ عنها ستورها الخانقة, أما اليوم وبعد ثلاثة عشر سنة مضت على زواجها, هي فتاة واسعة العينين, متوسطة الطول, يوحي قدها بتناسق بديع في الجسم, شعرها أميل إلى السواد, مرفوعاً على رأسها بطريقة غير مألوفة, كان مجدولاً ضفيرة محيطة بالرأس, كتاج صغير, ممشوقة القد, ناضجة الجسم, ممتلئة الساقين دون حافة الثوب, كانت في عيني سليمان, فتاة تُعشق وتُحب, تعمل مدّرسة لمادة علم الاجتماع بثانويات دمشق, شخصيتها طاغية الحضور, لمعة ذكية وصارخة الأنوثة والجمال, تهوى التاريخ والسياسة, وترى في التاريخ سياسة الماضي, وفي السياسة تاريخ الحاضر والمستقبل, متزوجة ومطلقة, ولكن كل الناس ينادونها الآنسة باسمة, حتى الذين يعرفونها جيدا, ما من أحد يريد أن يعتبرها سيدة سبق لها الزواج من رجل, لسبب واحد هو أنها, لم تعد نفسها كتلك يوما ما, انغمست في العمل بتفان رائع أدهش الجميع إلا نفسها, لأنها كانت تشعر أن وجودها ليس ملكا لها, بل ملك الأمة, وملك الأرض, تلقي على المرأة العربية, سبب شقاء الأمة وعذابها, وتحملها سبب الميوعة الروحية للجيل, كما تُحملها سبب ندرة الأبطال في مختلف الميادين بين أبناء هذه الأمة . كما سأحدثكم عن سليمان الذي تعرفتْ عليه باسمة فعشقته, أو تعرف عليها فعشقها, فرأته أمل فكرها ومثلها السامية, في الفن والفكر والسياسة وقيادة المجتمع, باسمة من الذين ليست لديهم الرغبة ولا القدرة على الظهور والقيادة, لكن فيهم القدرة والرغبة للسير قدما نحو غاية الأمة خلف قيادة الآخرين, نحو الطمأنينة والحياة الحرة الكريمة, تدور أفكارها بفلك الروح والنفس والعقل, تُعتبر نظرتها للحياة مرآة لروحها العذراء, تنظر إلى سليمان بمشاعر هي المزيج من الإعجاب والحنو والمحبة, تصارعتْ وتفاعلت المعاني النفسية الجسدية لديها, فأحبت سليمان لأنها وجدته البطل الذي تعبده, واكتشفت, أنها تريده بطلا وقويا, لأنها تحبه كذلك, تعود في كل مرة لدارها بدمشق القديمة, يغالبها الشوق للعودة, مرارا وتكرارا لمسرح حياتها, كشوق راسكولينكوف لمكان جريمته برواية دوستويفسكي الجريمة والعقاب, تسير بمهل عندما تصل لأزقة الحارة, وبدون تردد تيمم القصد الذي تعرفه, مكان زواجها, تقول بأنها قليلة الخبرة بمجال الحب كثيرة الخبرة بالبغض, تحتاج ينابيع الحب الكثيرة والكبيرة في قلب المرأة إلى لمسة رقيقة لتفجيرها, وثارت ينابيعها بملامسة سليمان لها, وغدت جسدا أنثويا مغريا, جمالها فتنة وجاذبيتها شهوة عارمة, أنضجت اللمسات الحانية من سليمان رغباتها الفجة, وحررت غرائزها المكبوتة الكامنة, فتفتحت بمعان ناطقة بنداء الجنس والرغبة الجسدية, أحس سليمان, بثغرها المضموم المنفرج تحت شفتيه, كوردة الجوري الحمراء لتلقي قبلة الطل بالصباح, عانقها كتلال روح غريبة شاردة بين حنايا أقواس بأزقة الحي القديم الضيقة, فشعر باللذة المقترنة بالغبطة والطمأنينة, يراها جسدا تعشقه الروح ويشتهيه الجسد, تدور أفكارها بفلك الروح والنفس والعقل, فاستأثر سليمان بباسمة اللذة والجسد والشهوات, جرفها تحوّلها بعيداً, وحفر عميقاً, ولم يهتم بأفكارها ومثلها العليا السامية, فلم تهمها أحاديث الفكر والروح هي الأخرى, وانحسرتْ اهتماماتها بارتباطاتها الجسدية, فهجرت أجواء لروح والفكر, وتعلقت بمتع الحس, وابتعدتْ عن الأجواء الروحية, فأحس بالتحول لديها فندم بقرارة نفسه, لأنه أيقظ شيطان الجنس بجسدها وحولها من فتاة تتصباها متع الفكر والفن والروح, لأنثى تجد بفحولة عاشقها أقوى مزاياه, تغار من جمال ولذة جسد الراقصة سعاد التي حدّثها عنها, وهي أي باسمة الأكثر جمالاً وعلماً, والمتشبعة جمال الجسد وجمال الفكر والفن, وشفافية الروح, لكنها تحوّلتْ بعيداً لمكامن الجسد وغرائزه, فأشبعتْ جوعه العاطفي, وأسقى تعطشها, وفي رحلتها معه إلى بيروت, شاهدها بباب غرفة الحمام , يلفها روب بلون الزهر, وجديلة محلولة الشعر, ملقاة على أحد منكبيها, فما ك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب الواحة/3 مدخل إلى الشرق/1

كتبها خلف المجدمي ، في 15 تشرين الثاني 2010 الساعة: 19:29 م

 

كتاب الواحة /3
طبعة /2
الرقة/صيف / 2010
________________________________________________________
خلف المجدمي
مدخل إلى الشرق /1
 
 
 
 
 
 
مدخل الى الشرق
(دراسة)
 
 
" مدخل إلى الشرق / قراءة عامة . . "
 
الطبعة 1 (100 نسخة كانون الثاني / يناير /2003 )
المحامي
خلف محمد الخلف (المجدمي)
الرقة ص ب 135: - سورية
تلفون :    233413 - 00963- 22
242504              - 00963 - 22
موبايل:    092 90 77 5300963-
- ص ب 135 – الرقة   –   سورية
 
E- alwaha97@gmail.com
 
موافقة وزارة الاعلام :
بالطباعة رقم (60788) تاريخ (5/8/2001)
والتداول رقم (60788) تاريخ (25/11/2002)
 
كتاب الواحة /3
مدخل إلى الشرق/ 1
 
 
(زمن كتابة المخطوطة)
الرقة – سورية – كانون الثاني / يناير/ 1998
 
مخطط البحث
1- مقدمة الطبعة 2
2-مقدمة الطبعة 1
الفصل 1 : الاختبار / 1) توطئة-2) غاية-3) صعوبات-4) آفاق-5) مذكرات-6) رأي
الفصل 2 : محاور / 7) مدخل-8) مسالك-9) مفهوم-10) جذور-11) واقع-12) مستقبل
الفصل3:مسارات/ 13) علاقات-14) مؤسسات-15) ثقافة-16) محرضات-17) قرارات-18)  قيادة
الفصل 4 : مصطلح / 19) مواجهة-20)أمريكان-21) روس-22)إسلامي-23) قومي-24) إسرائيلي
الفصل 5 : جوار / 25) تاريخ-26) معاصرة-27) أزمات-28) أتراك-29) إيرانيون 30) طوق
خاتمة صغيرة
الرقة ـ سورية- كانون الثاني / يناير/ 1998 م
المحامي / خلف الخلف(المجدمي)
alwaha97@gmail.com
الرقـة ص ب ( 135 )
الجمهورية العربية السورية
 
الإهداء   : إلى النهر الخالد
 
مقدمة الطبعة- 2
كتبتُ العمل بنهاية عام 1997م وسافرتُ إلى القاهرة واصطحبتُ أصله, ورغبتُ أن تضع له الشاعرة والناقدة والدبلوماسية الاماراتية ظبية خميس مقدمة أو رأياً, ولم أكن قد التقيتُ بها من قبل, وسبق أن أرسلتُ إليها عبر صندوق بريدها في الامارات العربية المتحدة / الشارقة, رسالة وورد آنذاك إلى صندوق بريدي بالرقة, من القاهرة طرداً فيه ثلاث مجموعات شعرية لها, وتوقفتُ عن كتابة مسودات هذه المخطوطة لأقرأ بعين ناقدة شيئاً من قصائدها, ونشرتْ الموقف الأدبي الدمشقية شيئاً من تلك القراءة, وكذلك بعض الصحف السورية, ثم أكملتُ هذه المخطوطة بنهاية عام 1997, وسافرتُ إلى القاهرة, والتقيتها بمكتبها بجامعة الدول العربية صباحاً الأحد 28/12/1997, وعلى مائدة عشاء مساء ذلك اليوم تصادمتُ معها أوتصادمتْ معي, وعدلتُ عن طرح الفكرة عليها, وعدتُ أدراجي إلى سورية بعد عدة أيام, وكتبتُ الخاتمة الصغيرة بنهاية البحث بعد عودتي في يناير/ كانون الثاني 1998م, وأرسلتُ صوراً منه, إلى كل من مركزيّ الاهرام والإمارات الاستراتيجيين, ولم يردني جواباً من الأول واعتذر الثاني عن النشر, لأسباب بيّن لي بعضها بعد طلبي منه ذلك, بغية الاستفادة من الملاحظات التي قرر المركز الرفض بموجبها, وكان من بين الملاحظات " مستنقع افغانستان", آنذاك, حيث اعتقدتُ في ذلك الحين, في تلك المخطوطة والتي ربما محفوظ صورتها لدى المركز الاماراتي, بدخول أمريكي في " مستنقع افغانستان ", الذي سيقودها إلى جحيم المنطقة, وفي النهاية يقودها, أي أمريكا, إلى الرحيل, أختلفتُ مع المركز الاماراتي أو أختلف المركز معي حول هذه النظرة في المخطوطة, فضلاً عن النظرة " التي يشوبها الغموض ", عن التوجه الديني في الخليج العربي, إلى آخر تلك الملاحظات التي أحتفظ بها في محفوظاتي, والتي آخذتُ ببعضها وأهملتُ بعضها الآخر, ثم أودعتُ المخطوطة وزارة الاعلام بدمشق لطلب موافقة الطباعة التي وردت بعام 2001م, وطبعتُ "100" مئة نسخة أطلقتُ عليها الطبعة التجريبية, حصلتُ خلالها على موافقة التداول عام 2002م, ثم أحدثتُ مدونتي عام 2007م, التي أطلقتُ عليها مدونة " نقد الابداع ", ورابطها التالي :  http://klfalmjdmi.maktoobblog.com/  وميّزت إسمي في النشر باسم " خلف المجدمي" كإسم شهرة ونشر, والمجدمي هي لقب بعيد لنسب بعيد, وأدرجتُ فصول هذا البحث / الكتاب فيها, والآن وبعد مضي تلك المدة "2010", على الطبعة الأولى التي أسميتها " الطبعة التجريبية ", أوزع الطبعة الثانية من هذا العمل على شكل مخطوطة أيضاً, واحتفظتُ بطابعه السابق, ولكن دققتُ صياغة الجُمل بمحافظة شديدة للأفكار الواردة فيه آنذاك, بغية الأمانة العلمية للمطابقة بين الطبعتين, وكنت خلالها أنجزتُ القسم الثاني من البحث بذات العنوان, والذي سينشر لاحقاً . تعود مصادر البحث ومراجعه وإحالاته إلى ثمانينيات القرن العشرين, والقليل منها يعود إلى أقدم أو أحدث من ذلك, ويتعلق هذا بزمن كتابة البحث, وأنه, أي البحث, يرصد حقبة زمنية محددة تجبر الدارس للعودة إلى الحُقب المعنية فيها, فضلاً عن الأبحاث الأخرة في ذات الاتجاه, والتي ترصد حُقب الأحداث اللاحقة, وغلب على البحث النظرة التأملية بجانبيها التحليلي والتركيبي, والتي تمنحه بعداً جديداً يستند لواقع ولتصور بآن واحد, وبهذا يصدر كتاب الواحة /3 بهذا العنوان " مدخل إلى الشرق/1", لأن هناك مجموعة من الأبحاث والدراسات السياسية في الشرق ستصدر تباعاً بذات العنوان " مدخل إلى الشرق /2و3و4و5و…." الخ .
مقدمــة الطبعة- 1
 
     إن البحث في مجال الفكر السياسي أشبه بالسير في الرمال المتحركة ما لم يتسم بالاستراتيجية من ناحية، والتاريخ السياسي، والجغرافية السياسية من ناحية ثانية . أما فلسفة الفكر ليس لها زمن محدد، أو وقت معين, وليس من حق أي كان أن يدعي المعرفة الحقة المطلقة، لأن الحق المطلق والمعرفة المطلقة، والكمال المطلق الله وحده, وفي حديث سقراط أثناء دفاعه عن نفسه، قبيل صدور الحكم بإعدامه قال : " بأنه لا يعلم شيئاً يقيناً، إلا شيئاً واحداً يقيناً، هو أنه لا يعلم يقيناً " . إنني أتبنى هذا القول وأكمل بأن المعرفة نسبية، والزمن نسبي هو الآخر, قد لا يثير فيك قول أو بحث أي إثارة,، وقد تختلف مع هذا القول أو ذاك، إلا أنه في الحالتين عليك أن تفسح له حق إبداء وجهة نظره ومن حقك أن تبدي وجهة نظرك أنت الآخر، في حدود الحوار المعقول والمفتوح، القائم على أسسٍ كليةٍ شاملةٍ, إن الحكم للعقل أولاً وأخيراً، ولم يكن السيف، أياً كان هذا السيف، هو الغالب، دائماً تكون الغلبة في الصراعات، أية صراعات، هي للروح التي تعني الحضارة والمثل والقيم، لقد هُزم التتار والمغول من هذه البلاد روحياً، وذاب سيفهم في روح الحضارة العربية الإسلامية . إن لكل موقع جغرافي حضارته السالفة، وحضارته القائمة، وليس لنا الوقوف على تلك الأطلال القديمة في طريقةٍ بكائية لاستنهاض الهمم بل علينا أن نستلهم هذا الاستنهاض من طريقة التكون بالصراع، على مبدأ المقولة ", إن الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك ", ولا يمكن لأي أمة من الأمم أن تتغافل تاريخها, إن الماضي هو الذي نستحضره بيننا الآن وبالتالي قراءتنا له قراءةً حاضرةً جاهزة في الوقت القائم كما أن النظرة إلى المستقبل تكون من خلال الحاضر، لأننا عندما ننظر إلى الأفق، فإننا ننظر إليه من حاضرنا وواقعنا الآن وليس من واقع الغد، إذ يشكل الماضي تاريخاً وهوية, يبدو لي أن الزمن حاضرٌ دائماً وفقاً لما تقدم ، وأن الجغرافية حاضرة من وجهة النظر الفنية الواقعية، فهي أيضاً حاضرة دائماً, أما الإنسان ، هو ذاته في الأمس واليوم والغد, ويذكَّرني هنا قول لشاعر عربي قديم يقول : " قد تساوى في الثرى كل راحل / أمس واليوم ومن ألوف السنين ", أي أود القول، يبقى الإنسان موجوداً وإن تغيرت الأسماء والأجسام، فالنوع والجنس والصنف قائم هو الآخر، إلى يوم الدين، مادام الأمر كذلك لماذا هذا البحث ؟ هذا البحث جزءٌ من مشروع طويل قد يستغرق زمناً طويلاً، ويحتاج إلى قراءة ومتابعة، وتنقل واستمرار، ومعاينة وخبرة فنية، ولتفرغ كامل وتمويلٍ ضخمٍ, وقد يبدو البحث منجزاً وكاملاً، وهناك بعض الأعمال الأخرى في الحجم ذاته والجهة ذاتها والمنحى الفكري والمنهج ذاته وهي قيد الإنجاز، وفي طريقها إلى الظهور, وقد يقول قائلٌ إن الطريقة في العمل، وشكل الاستدلال، ومنهج الاستقراء أو الاستنتاج، أو النتائج التي توصلت إليها، أو النظرة الكلية الشمولية التي حاولت توضيحها، كل هذا قد يختلف مع بعض المقولات الأخرى، وقد تتفق مع وجهات نظرٍ أخرى أيضاً, أقول هذا طريقنا ونعتقد فيه الصواب، ولا ننكر احتمالات وجود الخطأ، وهي محاولة فكرية لتقديم وجهة نظرٍ قابلةٍ للاختلاف وربما يرتفع مستوى الاختلاف إلى درجة أن يقرر الرأي الآخر إلغاء كل ما قدمت, تقدم ببرهانك المستند إلى العقل والمنطق والقائم على حرية الحوار وتقبل الأفكار الأخرى وبعدها يمكن لك القبول أو الرفض، فالأفكار الوضعية نسبية دائمة تبعاً لزاوية النظر إليها, هي قراءات وأبحاث, عن الواقع, ومحاولة لإبداء وجهة نظر, في بحثٍ يتوجب فيه, مراعاة الشروط المنهجية العلمية, وعدم التحيز المسبق، وأن يأتي بجديد وهذا الحكم للقارئ، إن شروط البحث غير كافيةٍ بمفردها، ما لم تقترن بنظرةٍ خاصةٍ ورأي مستقل وقد يدفع صاحبه الثمن باهظاً فالأفكار الصادقة تدوم طويلاً وتحتاج للحوار بعد عرضها تمهيداً لبيان الرأي الآخر، موضحاً اختيار الموضوع وغاية البحث، محدداً المحاور والأدوات المنهجية، معرجاً على المسالك والمسارات, بعد تحديدها بأكبر قدرٍ من الدقة والمرونة, مراعياً التسلسل الزمني, والتوزع الجغرافي, والجانب النظري, وعليَّ قراءة الأزمات المجاورة, وتأثيرها على المنطقة، قبل وضع الخاتمة الصغيرة, وأخيراً مراجع البحث . تبدو المراجع أكثر ميلاً إلى عقد الثمانينيات، كونها تتناول تلك الحقبة الزمنية وما قبلها، ولعل الأعمال الأخرى التي هي قيد الإنجاز تكمل هذا البحث، وربما تناولت القضايا المعاصرة حتى نهاية الثمانينيات وبداية العقد الأخير من هذا القرن قبيل حرب الخليج الثانية التي يتم تناولها في دراسةٍ مستقلة بها, تجنبت أسلوب الصحافة، معرجاً إلى المسائل الإستراتيجية الأكثر ثباتاً في التاريخ والجغرافية والفكر عامةً، من خلال قراءة في المجتمع، محاولاً تقديم الشيء الجديد في النظرة أو المعلومات أو الأفكار أو المواد وقد تثير فيك القبول أو الرفض، التأييد أو المقاطعة، أو تميل إلى وجهة نظرٍ مواربة أو انسيابية، بعيداً عن المواجهة, يخضع هذا العمل بكل ما فيه، لرأيك وحكمك القيمي، وفي كل الأحوال ليس هذا أو ذاك بالحجة القاطعة أو القول الفصل، إنها وجهات نظر, أقول هذه المقدمة التي لا بد منها، إذ يميل البعض إلى وضع المقدمة في الوقت الذي انتهى فيه من كامل العمل وكأنها أشبه بالخاتمة، في حين يميل البعض الآخر إلى وضعها بمثابة التمهيد للبحث كجزءٍ لا ينفصل عنه, لقد وضع أبن خلدون مقدمته بعد الانتهاء من كتابة تاريخه، في حين يرى البعض الآخر أنها خاتمة وليست مقدمة لأنها خلاصة فلسفته في التاريخ وعلم الاجتماع, أكتب على أمل الاستمتاع بالكتابة المنهجية من جهة، والاستمتاع بالقراءة ولعل المتلقي يستمتع بالقراءة هو الآخر، ربما نختلف حول بعض الأفكار أو المواقف، وقد تبدو بعض الأفكار مؤلمةً بشكل أو بآخر، كما تبدو حادةً أحياناً, ولكن ليست المتعة هي المطلوبة في العمل المنهجي، وليست المتعة هي المطلوبة في القراءة, بل المتعة في ملامسة جوهر الأشياء، ولعل بعض فوائد الجمر ملامسة الجروح العميقة بغية علاجها، لهذا تبدو تحولات تسعينيات القرن العشرين مؤلمةً، كما تبدو الوثائق والمراجع حول هذه الفترة من الكثرة بحيث يصعب تمييز كل واحدة منها، الأمر الذي يربك الباحث كما قد تبدو بعض الوثائق الغائبة وسيكشف عنها الزمن .
 
 
الفصل:1- الاختيار
1)- توطـئة :
       تبدو منطقة العرب وجوارهم, كبركان يغلي، ويقذف بالحمم، ويهدد بانفجار العالم في كل أزمة تحدث في تلك المنطقة, ولكن ولم تكن لديَّ أية معلومات مهمة, قبل أن تدخل زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى القدس، حيّز التنفيذ، حيث ألقى خطابه في إسرائيل باللغة العربية، لقد أذهلت الخطوة الإنسان المعني بالمنطقة، والمعني بالشرق الذي يطلقون عليه " الشرق الأوسط ", وقد أعلن الرئيس المذكور, في خطابه ذاك, عزمه قتل العداوة بدل الإنسان، وأنه قد أختار الطريق الصعب, كما قال في ذلك الحين, ومن ثم بدأت وسائل الإعلام العربية والشرقية والغربية تتناول الحدث بالتحليل والإيضاح، وغالباً ما يتناول هذا التحليل وذاك الإيضاح المنطقة لجهة الجذور، ومن ثم الطفو إلى سخونة الحدث، وفي بعض الأحيان التحليق في الآفاق البعيدة، وقد برع رجال التاريخ السياسي، والجغرافية السياسية في الغوص في الأعماق خدمة للفكر وهدف الزيارة, حتى ذلك الحين، كانت معلوماتي بسيطة تستند إلى العاطفة القومية حيناً، وإلى الشعور الديني العميق حيناً آخر، كما كانت حداثة سني عاملاً لتشكل معلوماتي البسيطة، إذ لم أتجاوز الثامنة عشر من عمري في ذلك الحين, لهذا كانت معلوماتي عن الصراع العربي الإسرائيلي عاطفية(1), كانت وسائل الإعلام، وما زالت إلى هذا الحين, تطلق على المنطقة بكاملها, اسم " الشرق الأوسط ", وعلى الصراع الدائر فيها اسم الصراع حيناً، أو الأزمة حيناً آخر، أو المشكلة، أو النزاع أحياناً أخرى، وترتبط جميع هذه التسميات باسم شامل " الشرق الأوسط ", وتبين فيما بعد، أن هذه التسمية نسبية, وذاك الاصطلاح غير محدد المعالم والحدود, ولم يكن واضحاً، بالنسبة لي على الأقل، و توالت الأيام والأحداث، وكان اهتمامي يزداد يوماً بعد يوم بهذا المصطلح، الذي سُميتْ بمنطقة الشرق الأوسط، وأتضح لي أن التسمية سياسية بحتة، تختلف من وجهة نظر إلى أخرى، حسب زاوية الحديث, وهي كمفهوم نسبي متحرك, يتبع حركة الزمان والمكان، وربما يختلف المدلول لدى الجهة ذاتها، حسب المرحلة الزمنية، وحسب المصلحة، أو حسب تطور الموقف, أي كان المصطلح مرناً, بما يكفي لخروج ودخول المتحدث أو المتلقي متى شاء, وعند تخرجي في كلية الحقوق، في جامعة حلب، كانت لديُّ الرغبة في دراسة هذه المنطقة و الصراع الدائر فيها، بقسم الدراسات العليا, ودراسة القرار الدولي المتعلق فيها أيضاً، إلا أن الفرصة لم تكن مؤاتية, لدراسة ذلك المشروع منهجياً, وقد بقي في خزانة الذاكرة, أعود إليه بالبحث والدراسة, بين الحين والآخر، يعتقد البعض من أصدقائي ومن معارفي, أن البحث في هذه الطريق الوعرة محفوف بالمخاطر, وأنه, أي البحث, بلا جدوى لا من قريب ولا من بعيد, وبعد ممارستي مهنة المحاماة بمدة وجيزة ، قمت بدراسة صغيرة حول هذا الموضوع، ولم تكن كافية للإحاطة بالجوانب التي أرغب أو التي أريد، ولم توفر الدراسة آنذاك, المادة العلمية المطلوبة للمتلقي, ولا توصله للغاية التي أريد له الوصول إليها, أو أريدُ قولها, وظل الهدف الذي أنشده منها, ظل, بعيداً وغامضاً هو الآخر، كان وقتي أنذاك ضيقاً نسبياً, ومساحتي للكتابة محدودة تقريباً، وقد عزمت على كتابة مشروعي القديم, مرة ثانية, في أقرب فرصة مؤاتية، وبشكل أكثر اتساعاً, وأعمق شمولية, فكان هذا البحث الذي أمامنا, وستكون الأبحاث الأخرى, المكملة والموضحة, في محاولة تقديم توطئة علمية منهجية, للنظرة الكلية الشاملة التي أرغب وأريد قولها والتي قد تساعد الدارس والباحث لمعرفة " منطقة العرب وجوارهم ", زمانياً ومكانياً .
 
2)- غـاية :
        تساءلت ولا زالت أتساءل : هل يمكنني أن أضيف شيئاً جديداً إلى الفكر بشكل عام, والفكر السياسي بشكل خاص, و المتعلق بالمنطقة, من خلال هذا البحث ؟ . ثم ما هي غايتي ؟ كان جوابي : تقدم المحاولة الجادة بذاتها شيئاً جديداً يستحق الذكر, وببذل الجهد وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات, أو وجهات النظر, المتفقة أو المختلفة, حول موضوع ما، مع محاولة ربط هذه المعلومات أو التعليق عليها بشكل ذاتي أو منهجي وموضوعي، يعني أن هذه الإضافة قد تحققت, وربما لن تتحقق هذه الإضافة في هذه المحاولة, ولكن لا بد منها, وبدونها, أي المحاولة, يبدو البحث, أي بحث, مستحيلاً, يُكبْلُ التردد البحث, ويعرقل الخوف الباحث, وتبدو المحاولة عقيمة, بدون الشجاعة في تناول الموضوع . عليّ الاعتراف بكل صراحة ووضوح, وبلا لبس أو غموض, بغايتي, التي لا تخرج عن الهاجس الذاتي الفردي, والرغبة الكامنة، في البحث . هاجس فردي خالص, يدفع بي وألحق به إلى اللانهاية, أحاول أن أشبعه وأرويه, والرغبة تتدحرج ككرة الثلج إلى منابع البحث العلمي الجاد, إلى مصادر القراءة المتنوعة لجهة الزمان والمكان, إذ في وسع الإنسان أن يكون شيئاً يذكر، دون أن يكون قد مارس هذا الشيء، وقد قيل بفشل أفلاطون الشهير بممارسة الحياة السياسية العملية, وقد كتب " الجمهورية " دون أن يكون مارس الحياة السياسية وفقاً لما كتب، وقد كان موضوع جمهوريته تلك مثالاً لما يجب أن يكون عليه رجل الدولة، ولما يجب أن تكون عليه الدول، ولم يمارس ميكافيللي الحياة السياسية العملية، ببمارسة تمنحه التجربة التي يريد, وقد كتب " الأمير " وأهداه إلى رجل مارس الحياة السياسية عملياً, بتجربة ذاتية خاصة، رغب ميكافيللي هو الآخر بتكليف للقيام بعمل سياسي دبلوماسي، يلعب فيه الأخير دوراً, على مسرح السياسة آنذاك, وكتب شكل ومضمون الدولة الواقعية كما هي، وكيف لرجل الدولة أن يتعامل مع الواقع السياسي كما هو ، وليس كما يجب أن يكون، كتب ابن خلدون ما هو موجود وقائم هو الآخر، دون أن يتناول الوجوب ال1ي يجب أن يكون, وحلل الواقع السياسي الذي يعيشه كرجل دولة، ثم كتب مقدمة تاريخه " ديوان العبر ", بمقدمة مشهورة باسم " مقدمة ابن خلدون" , والتي فاقت شهرتها كأول تأسيس لعلم الاجتماع السياسي, ولم يكن قد اعتمد منهجه الذي وضعه في مقدمة تاريخه عند كتابة ذلك التاريخ, ولم يضع تجربته, مقياساً للآخرين في سواء في الكتابة أو العمل السياسي، أسس ابن خلدون منهجاً ومدرسة في قراءة وكتابة التاريخ . إلا أنه لم يطبق ذلك  في ممارسته السياسية أو في كتابة تاريخه، أو في القراءة النقدية لمن كتب التاريخ قبله(2) . كانت لديهم, فأفلاطون وميكافللي وابن خلدون، كانت لديهم الرغبة الذاتية في الظهور على مسرح الحياة السياسية، وكانت لديهم الرغبة، في أن يكون كل واحد منهم، شيئاً يذكر على الواقع، ولأنه لم يتحقق لهم ما أرادوا على واقع المسرح السياسي, وكانوا يتمتعون بهاجس ذاتي فردي, في الكتابة, تحوّل هاجسهم ذاك, إلى واقع عملي ملموس على الورق، يذكرهم التاريخ من بعد واقعهم, من ثم كوّن هذا التراث الفكري, كوّن فكراً سياسياً، يهتدى به اللاحقون من الأجيال التي أعقبتهم، وقد أبدت هذه الأجيال رأيها بالتأكيد حيناً والرفض أحياناً أخرى، إلا أنه ليس لأحد أن ينكر، أن أهمية وقدرة هذه المؤلفات على تحريك العقل السياسي من مكمنه، وقد تفوق مؤلفاتٍ كثيرة تمت كتابتها في هذا العصر . ولعل من معترضٍ يقول لي : ذهبتَ بعيداً بتمثلكَ بهؤلاء الأعلام في الفكر السياسي، فأقول : ما المانع من ذهابي بعيداً معهم، وتشبهي بهم في قراءة وإعجاب، وتشبه نحو الأفضل حسب رأينا، ومع ذلك أقول، إنه هاجس ذاتي فردي، ولعلنا نخرج بموسوعة معلومات شبه كاملة حول المنطقة، لجهة المفهوم، والجذور والواقع، والآفاق، والعلاقات، والقرارات، ولعلنا نستطيع أن نعلّق عليها فلسفياً، قد يختلف المتلقي مع هذا التعليق أو يتفق معه، إلا أنه في الحالتين, الاتفاق أو الاختلاف, يمكن أن يكوّن رأياً نقدياً جديداً, يقع هو الآخر بدائرة الاختلاف أو الاتفاق والنقد , وفي كل الأحوال لا تشكّل الآراء المنفردة أو المجتمعة مع النقد الموجه إليها، لا تشكل الحقيقة المطلقة . 
 
3)- صعوبة :
        قد يبتعد الهاجس الذاتي والنظرة الذاتية بالبحث العلمي عن جادته الموضوعية كما يُقال، إنني أُذكّرُ فقط بأنه يحتاج البحث,أي بحث, والبحث العلمي على وجه الدقة، إلى جانبين، الأول : الذاتي، والثاني, الموضوعي، وبدون الأول يغدو الثاني معدوماً في العلوم الإنسانية، قد يُكوّن الجانب الذاتي بحثاً مستنداً إلى الانطباعية أو الذاتية، وقد لا نطلق عليه صفة العلمية، لغياب الموضوعية حسب وجهة النظر البحثية الخالصة، إلا أن الموضوعية هذه, هي غاية للبحث ووسيلة له بآن واحد، قد يجد القارئ المتلقي هذا الجانب وقد لا يجده، أي أن هذه الموضوعية نسبية سيما في العلوم الانسانية . فالقارئ الحصيف هو الذي يحدد مدى موضوعية الباحث ومدى علميته، كما يمكنه تحديد المقدار العاطفي في البحث . بيدو الجانب الذاتي مهماً في أي بحث يتناول العلوم الإنسانية, إذ كيف للباحث, ومنه الدارس والقارئ والمتلقي بشكل عامأيضاً, أن يكون محايداً بالمعنى الفلسفي والنظري المطلق عندما يتناول الدراسات العلوم الإنسانية التي يكون التفاعل العاطفي فيها كبيراً وصارخاً، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية التي تتناول الوجود الحضاري للأفراد والشعوب والأمم، حيث يعتبر نفسه معنياً بذلك بشكل مباشر أو غير مباشر, سيما تلك التي ترتبط بالجذور التاريخية والدينية، أو بالواقع المعاصر أو الحديث ؟ . قد يكون الحياد العلمي في مثل هذه الحالة, بعدم الانغماس المباشر في الحدث والواقعة, التي يعالجها الباحث في بحثه، بصورة ذاتية مطلقة، ومع ذلك قد يكون هذا الانغماس أكثر بروزاً في القضايا المعاصرة أو الحديثة، أما القضايا التاريخية، فيكون البروز فيها أقل . يكون تفاعل الذين يشاركون في صنع الأحداث، أو في صناعة القرار المتعلق فيها، يكون تفاعلهم العاطفي أكثر وضوحاً، وقد يكون حاداً, لأنهم يعايشون الواقعة التي يبحثون فيها، وتذوب موضوعيتهم في نية إبراز دورهم الذاتي، وأو في نية الدفاع عن الذات . وقد قال تشر شل في إحدى مقولاته الشهيرة، إن خير طريقة لصنع التاريخ أن تكتبه، وقد كتب تشرشل تاريخاً بالوقائع والقلم، إذ أنه كان يكتب عن تاريخ الحرب العالمية الأولى كناقد ومراقب، وكتب عن الحرب العالمية الثانية كمشارك فيها. أي ساهم تشرشل بكتابة التاريخ في الحالتين، كتب في تاريخ الحرب العالمية الأولى كتابة, وكتب في تاريخ الحرب العالمية الثانية كمشارك أيضاً(3) . يكون الباحث محايداً بالمطلق عندما يتناول القضايا العلمية الصرفة، مثل الرياضيات والفيزياء, ولن يكون محايداً فيها, أي في القضايا العلمية الصرفة, عندما يتناولها في معرض غاية أخرى، لم يكن وايزمن, عالم فيزياء ورياضيات, لم يكن موضوعياً عندما سعى إلى اكتشاف سلاح جرثومي ساهم في الحرب, الخ . لهذا يبدو الحياد بعيداً, كما تبدو الموضوعية صعبة, وهذه أولى الصعوبات . يحتاج الباحث أحياناً, لاستعارة دور المؤرخ ودور رجل الآثار عندما يبحث في الحقب الزمنية القديمة، فالمعلومات عن تلك الحقب, نادرة أو متناقصة أحياناً, وقراءة الحقب الزمنية ليست غاية بحد ذاتها هنا، بقدر ما هي خروج إلى فلسفة للتاريخ, يمكن أن تقرأ الواقعة التاريخية الواحدة قراءات متعددة تبعاً لزمان القراءة ومكانها، وكل قراءة تستند إلى ما يؤيدها، أو تزعم أنها مؤيدة, فالغوص في الأعماق التاريخية للواقعة هي ثاني الصعوبات . كما يستعير الباحث دور رجل السياسة عندما يبحث في الواقعة الحديثة أو المعاصرة، عنما يتعلق البحث بالحدث المعاصر، تُدخل الوثائق الكثيرة للحدث المعاصر، تُدخِل, الباحث بدائرة مغلقة ودوامة لا خروج منها لجهة كثرتها، أو تناقضها، أو سيرتها، أو هدفها أو غير ذلك,وهذه ثالث الصعوبات, أما الصعوبة الرابعة فهي كامنة في الآفاق، التي تُدخلنا تدخل بمجال الممكن والمحتمل والمتوقع، وخاضعة, هذه الآفاق, للتكهنات والنبوءات والسيرورات التاريخية والمستقبلية، ولهذا يحتاج الباحث إلى خيال واسع حيناً، وإلى التخيل الفلسفي بأحيانٍ أخرى، فالتخيّل يكمل هذا النقص، ويزيل هذا الغموض ، إلا انه لا يعني التشاؤم أو التفاؤل أبداً بل يستند إلى منطق خاص مرتكز على معطيات علمية يحلّق من خلالها . لا يمكن لرجل الدولة والباحث المختص أن يتعامل بحياد تجاه الآفاق إلا أنه يجب أن ينظر إليها بحياد وهدوء وهذه خامس الصعوبا أيضاً .
 
4)- آفاق :
        إن ما يبدو آفاقاً اليوم سيصبح واقعاً أو ماضياً في الغد, فالآفاق القائمة غير الآفاق القادمة، لأن الأولى كانت آفاقاً، أما اليوم فهي قائمة كوضعٍ ما . وقد تحمل الآفاق وجهات نظر متعددة، وفقاً للحسابات ووجهات النظر، يحتاج علم الآفاق السياسي، يحتاج إلى قدرة فائقة لفهم الواقع، ومن ثم محاولة فهم جذور هذا الواقع، ومن ثم محاولة إمتدادات هذه الجذور عبر الواقع، إلى المستقبل، ومنه يكون التنبوء أو محاولة التنبوء . لقد تنبأ ونستون تشر شل بالحرب العالمية الثانية قبل وقوعها، وكما تنبأ بريجننسكي بسقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه وذلك قبل عشرين عاماً على وجه التقريب، وقد ربط الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود بين الشيوعية من جهة والصهيونية من جهة، وأن الثانية, أي الصهيونية, بعد أن تحقق غاياتها ستخنق الشيوعية، هذه نماذج من نبوءات كانت في حين صدورها آفاقاً، قد تجد من يعتبرها هذياناً، أما اليوم فإنها وضع قائم . فلم يقتنع البرلمان البريطاني بنبوءة تشر شل لو لم يقدم هذا الأخير ما يؤيدها، ولم يقتنع الغرب في نبوءة بريجنسكي ما لم تثبت في المستقبل، ولم يكن العالم الغربي يقتنع بالعلاقة بين الشيوعية العالمية والصهيونية العالمية، لو لم يسقط الاتحاد السوفيتي بسببٍ من ذلك(4) . إن من بين الآفاق القائمة، آفاق لورانس، ضابط الاستطلاع البريطاني الذي تخصص في رسم الخرائط، في دائرة الاستخبارات البريطانية في المنطقة، قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، والمعروف باسم " لورانس العرب ",  حيث قال : " أنه سيأتي اليوم، بعد عصورٍ طويلةٍ حيث ينطلقون ـ أي العرب - لا يمنعهم شيء إلى ذلك المكان، عبر المتوسط، حيث يكون العِلم المادي موجوداً، عندها سينتقل الرب على سطح الماء …", هذه آفاق لورانس، حيث يعتقد بأن العرب سينطلقون مجدداً في يومٍ ما, إلى الغرب, عبر المتوسط ، ليكوَّنوا حضارة روحية . وقد تتفق هذه النبوءة, أو تلك الآفاق, مع مقولة أخرى معاصرة, الآن للروائي كونستان جيورجيو، في روايته الساعة الخامسة والعشرين، يقول فيها ما معناه أن النور العظيم سيشرق مرةً أخرى من الشرق ليكسح نور الغرب الكهربائي . وفي هذا الصدد يعتقد السيد محمد رمضان سعيد البوطي، في آفاقه، بأنه ستنطلق حضارة الإسلام من الغرب ذاته يوماً ما، واعتقد أنه قصد بذلك، ستنطلق الحضارة وستشع, في الشرق أولاً, ومن ثم تنطلق إلى الغرب, الذي يزدهر بها مجدداً, ويشع إلى العالم بها، كما كانت الأندلس في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية في القرون الوسيطة,عندما انطلقتء في أوربا من الأندلس(5) . لقد عبرت الحضارة العربية سطح المتوسط من الشرق عدة مرات, باتجاه الغرب الأوربي، وكان أقدم عبور هو العبور القرطاجي، بقيادة هاني بعل، أما العبور الثاني فكان العبور الأموي، على يد كل من موسى بن نصير وطارق بن زياد، أما العبور الثالث هو العبور إلى مدريد في العقد الأخير من القرن العشرين، يحمل هذا العبور أفاقاً غامضة وغير واضحة المعالم والحدود من جهة, كما يحمل نقصاً في البيانات للدلالة  المستقبلية، لهذا لا بد من التخيل العام لجهة سيرورة, أي المسار المستقبلي, العبور, لهذا كان التخيّل ضرورياً, سواء لجهة إجلاء هذا الغموض أو إكمال هذا النقص . إن من المفيد أن نذكّر أن هذا العبور محكومٌ بالتراجع, لقد تراجعتْ فينيقيا, كما تراجعت قرطاجة هي الأخرى، و نراجع الأمويون بعبورهم، والآن يبدو عبور مدريد في طور التراجع هو الآخر, سواء كان العبور مقترناً بإرهاصات أم مقترناً بآمال، فإن كانت الأولى، ساهم الزمن في ردم وتسوية هذه الإرهاصات، وإن كانت الثانية، فإن الزمن قد كشف هذه الآمال، وفيما إذا كانت ستصبح حقيقة وواقعاً أم لا ؟ . وفي الحالتين، لا زالت آفاق قائمة (6) .
 
5)- مذكرات :
 وصف الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون منطقة العرب وجوارهم, قال : " تبدو وكأنها بؤرة قصة او أسطورة، أو ملتقى طرق استراتيجية, وقد قامت فيها سلالات واندثرت، و حضارات منذ آلاف السنين " وما زالتْ قائمة . في حين وصفها السيد هنري كيسينجر في مذكراته، " بأنها بغيضة أو مغيضة، ومتعجرفة، وباعثة على الحماس "، في حين اعتبرها السيد وليم كوانت بمذكراته، " بأنها منطقة يتهدد فيها الأمن القومي الأمريكي، وتتعرض المصالح الأمريكية فيها للخطر المباشر "، أما السيد الفرد ماهان وهو الاستراتيجي البارز في البحرية الأمريكية في مطلع القرن العشرين قد اعتبرها، أي منطقة العرب وجوارهم, " مفهوماً استراتيجياً واقعاً على الحدود الجنوبية للبحر المتوسط وآسيا، وهو موقع مواجهة بالضرورة بين القوى المتصارعة ", هذا وقد أرجع السيد بيتر مانغولد سبب أهميتها في مذكراته إلى " النفط، والأهمية الاستراتيجية, وعدم الاستقرار الإقليمي" . تحاول تلك  المذكرات تحديد طبيعة العلاقة مع  " منطقة العرب وجوارهم ", من وجهة النظر الأمريكية , ولعل المنطقة هي كل ما ذكر وأكثر منه بكثير(7). ولا يمكن التعويل على المذكرات دائماً، عند محاولة تحديد وجهة نظر، أو نفي وجهة نظر ثانية، لأنها, أي تلك المذكرات, تأخذ الجانب الأحادي, ويمكن, في مثل هذه الحالة, ان نعتبرها شهادة او شهادات حية، على وقائع تاريخية لإثبات وجهة نظر او لنفيها . ويمكن قبول مذكرات بن غوريون يوميات الحرب من وجهة النظر الإسرائيلية فقط، أو من وجهة نظر تدور في واقع التاريخ الحديث لتلك المنطقة، وقد كانت, أي تلك المذكرات, تُكتَب – أو هكذا يبدو- كتقارير يومية لعسكري وسياسي صهيوني يقود معركة عدوانية في التاريخ الحديث في المنطقة، وقد كان لهذا العدوان الأثر البالغ على جغرافية وتاريخ العالم لنصف قرن مضى ولا يزال هذا التأثير مستمراً . ومما يؤسف له أننا لم نجد أية مذكرات لأي قائد عربي في ذلك الحين سوى بعض المذكرات الشخصية التي كُتبَت بعد الحرب بعدة أعوام، ربما تزيد على العقدين من الزمن، كمذكرات صحفية حيناً أو كتابات لتبرئة الذات أو لإبرازها، وقد استفاد من هذه المذكرات هواة الإخراج السينمائي والتلفزيوني فيما بعد إلا أنها لم تكن كافية لاعتبارها وقائع للتاريخ وللأجيال ووثائق يمكن التعويل عليها . ربما كانت تلك المذكرات التي كتبها بن غوريون فيها بعضٍ من تزوير للحقائق, وربما كانت كلها تزويراً, وكم تمنيت أن يكون هناك من قام بكتابة الحقائق بشكل معاكس, بدون تزوير, أوحتى بنزوير يرواجه تزويراً, لأجل تهاتر الوقائع التي تحدّث عنها الصهيوني بن غوريون في مذكراته, كل تاريخ إسرائيل المزعوم, أو المزعومة, قائم على التزوير(8). كان دخول الحرب ضد الصهاينة، كان قراراً عربياً رسمياً وشعبياً وإسلامياً، صادراً عن جامعة الدول العربية، فضلاً عن القرار الشعبي الصادر عن الضمير الإنساني، وقد شاركت دول غير عربية في هذه الحرب بصفتها دول مسلمة إلى جانب العرب مشاركة شعبية، وذلك دون التقيد بمواقف حكوماتهم الرسمية، ومن الأعلام الذين شاركوا الجنرال الإيراني فضل الله زاهدي، الذي كان له الدور البارز في تاريخ إيران السياسي خلال عقد الخمسينات والستينات في بلاده, في حقبة محمد مهدي مصدّق . مع هذا لم تقم جامعة الدول العربية في ذلك الحين بكتابة هذه الحرب على شكل يوميات، أو تاريخ فوري كتقارير. إلا أنها استدركت ذلك فيما بعد . في حين كانت بريطانيا توثق يومياتها ووثائقها . يبدو أن الأمر قد اختلف والتجربة أفادت، فقد كتب وزير خارجية مصر مذكراته عن محادثاته مع فرقاء كامب ديفيد، وكتبت وزارة الخارجية مذكرات وزيرها آنذاك، وكتبت إسرائيل مذكراتها ووثائقها كعادتها. وقد نشرت بعض هذه المذكرات والوثائق، ولم يُنشر البعض الآخر وثائقه في المحادثات حتى تاريخ كتابة هذا البحث(9).
 
6)- رأي :
    تطرقتُ لموضوع البحث الآن, أريد معرفة متردم منطقة العرب وجوارهم, وأريد معرفة الهم العربي، عبر نصف قرن مضى من الزمن, أي منذ النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي, على وجه التقريب، وقد تمتد محاولة المعرفة إلى النصف الأول من القرن الذي يليه, ورب قائل يقول : بدأتَ من حيث انتهى الآخرون وغادروا ومع هذا اعتقد بإمكانية الإضافة والنقد والتوضيح، و يبقى الغامض ويبقى الأكثر غموضاً . ألم يقل شاعرنا القديم :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً          ويأتيك بالأخبار من لم تزود
لهذا أقف أنا الآخر قائلاً : هل يمكنني معرفة الدار التي أقف عليها، أم أتوهم هذه المعرفة ؟ يتوجب عليَّ الإقرار بوجود صعوبات محيطة بهذا البحث, وأحتاج لجهد متواضع, ومتابعة طويلة, وتعامل مع الوقائع والأحداث والأفكار بعقل بارد, ومتفتح يقبل الحوار والمحاورة، للوقوف على وجهات النظر الأخرى, ومحاورتها, سواء من داخل الهوية والذات الواحدة, مهما ضاقتْ أو اتسعتْ, أم من خارجها، مهما تطرفتْ, وعلى هذا أردد قولاً للشاعر العربي القديم :
هل غادر الشعراء من متردم           أم هل عرفت الدار بعد توهم
بعد هذه الوتوطئة، وتحديد وتوضيح الغاية، وتوقع الصعوبات التي تعترض الباحث، ومحاولة النظر إلى الآفاق وقراءة مذكرات الآخرين في هذا الشأن، أقول : يحتاج الباحث في هذا الموضوع البحثي الواسع, يحتاج إلى تحديد محاوره الأساسية أولاً، ومن ثم تحديد تلك المسالك الفرعية التي تتفرع من هذه المحاور الأساسية ثانياً، ومن ثم تحديد المسارات الجانبية لكل مسلك فرعي ثالثاً، وبعدها يمكن تحديد المفهوم من خلال وجهات النظر المتفقة أو المختلفة، في مرونة كبيرة تتسع لمختلف تفرعاتها رابعاً . وعليَّ أن أغوص في الأعماق التاريخية في محاولة الدخول في المقدس التاريخي أو في المقدس الديني التاريخي خامساً . فالأعماق التاريخية هي الجزء المهم في هذا الصراع القائم، وهذا الجزء لا يمكن إغفاله مطلقاً, بل يمكنني القول إنه, أي هذا الجزء, هو الصراع ذاته، وبدونه يغدو الصراع معدوماً, يقودنا الغوص في الأعماق, إلى أن نعوم مرة أخرى, بقوة دفع عميقة, إلى الواقع المعاصر، عبر مرحلة زمنية محددة بالقرن العشرين تاريخياً، وبالأدق في النصف الثاني منه, والحديث عن الواقع له شجون متعددة ومتنوعة عبر التاريخ الحديث والمعاصر, وتحليقاً في الآفاق، هذه الآفاق ليست قائمة بل آفاق مستقبلية, مازالت قائمة في الأفق المنظور وغير المنظور, وتحتاج هذه الآفاق إلى الخيال والتخيل, والفرق بينهما : يستند الخيال إلى واقع ولو بنسبة بسيطة، أما التخيل ذاك الذي يستند إلى فضاءات العقل من خلال هندسة فراغية وليس له ما يسنده أو ما يبرره واقعياً، فإن تحقق كان وثبةً نوعيةً في الحضارات . يجب أن يجد القرار الدولي مكانه في هذا البحث، إذ لا يمكن أن يوجدَ الصراع، ما لم يوجد الشكل من القرارات المحلية والدولية المرافقة له . يزخر التاريخ القديم والحديث والمعاصر بمثل هذه الحالات . ويمكن أن أقدم أمثلة على ذلك, مثل تاريخ الصراع بين كل من فرنسا وبريطانيا في الصراع التقليدي الأوربي، والصراع بين كل من اليونان والأتراك، وأما العرب بين بعضهم البعض فهي حالات متكررة إلا أنها ليست دائمة أو مستقرة، بل هي النزاعات الآنية والتي تزول بزوال مسبباتها، أو تتداعى جدرانها، أمام الخطر الخارجي . هنا نود التوضيح انه لابد وأن تصدر القرارات عن قيادات، الأمر الذي يُلزم الدارس, الذي يتناول القرار الدولي وكذلك القرارات المحلية ذات الطابع الدولي، يلزمه يدراسة القيادات التي أصدرت هذه القرارات فقيادة وفريق عمل الرئيس السادات هي التي أصدرت قرار طرد الخبراء الروس وهي التي قامت بمبادرة زيارة القدس كمثال على ذلك, وإن فريق عمل وقيادة الرئيس صدام حسين هي التي قررت حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية, وفريق عمل وقيادة الرئيس اللبناني هي التي قررت طلب التدخل من القوات السورية في لبنان، وفريق عمل وقيادة السيد الرئيس حافظ الأسد هي التي قررت الاستجابة لهذا الطلب . لهذا فإن القرارات والعلاقات يجب دراستها أيضاً . . . إنها المحاولة ، ويحكمها الاستمرار .
 
الفصل :2- محاور
7)- مدخـل :
     ما زالت تزال التقسيمات الكلاسيكية للعالم حسب جهات، شمال جنوب، شرق غرب، مقبولة نسبياً من أجل تحديد موقع جغرافي أو سياسي، أو تاريخي، أو حضاري، او كموقع ديني في بعض الأحيان، كمقولة ديانة الشرق مثلاً أو حضارة الغرب، وقد يدخل المفهوم العسكري من جهة الجغرافية العسكرية أو الجغرافية السياسية، وحتى التاريخ السياسي, وقد تتداخل جميعها، لتشكل دلالة شمولية لكل ما ذكر أعلاه، شاملاً للمجتمع من ناحية، والاقتصاد والثقافة من ناحية ثانية، وجميع ما يسمى بالعلاقات الدولية على اختلاف تعريفاتها من ناحية ثالثة، مسرفةً في العمق الزمني والتاريخي، وانطلاقاً إلى الآفاق العامة والمستقبل، مروراً بالواقع الراهن . إن مفهوم الشرق الأوسط مرن، قد يعني جانباً، كما قد يعني جوانباً كثيرة تشمل على الجوانب الأخرى، وقد يدخل المجتمع في ذات المنحى كأن نقول، المجتمع الغربي، أو المجتمع الشرقي، أو مجتمعات الشمال، أو مجتمعات الجنوب، ثم يتبع ذلك تقسيمات اقتصادية وثقافية، كأن نقول الاقتصاد الغربي، أو نمط إنتاج دول الجنوب، أو الاقتصاد الغربي الليبرالي الحر، والاقتصاد الشرقي الاشتراكي الموجه، أو أن نقول الثقافة الغربية، أو الثقافة الشرقية، أو ومقولة الشمال الغني, أو الجنوب الفقير، ينسحب هذا التقسيم على العلاقات الدولية، مثل علاقات دول الشمال مع دول الجنوب، ويتعدى الأمر الواقع الحالي لينسحب إلى الماضي البعيد، وقد يمتد إلى المستقبل, ليشمل الآفاق التي قد تندرج في السياسة والإعلام، ويشمل الماضي التاريخ إجمالاً, كما يشمل الحضارات عامة, والأديان أيضاً، ويشمل المستقبل وعالم الغد بكل تفاصيله وجزئياته . كأن نقول عن الهيمنة الإعلامية لدول الشمال، أو نسأل : عن مستقبل الاقتصادي العالمي في ظل القطب الدولي الواحد ؟ أو ما هي آفاق صراع الشمال والجنوب ؟ أو آفاق والغرب في الصراعات الدولية ؟ أمام هذا التشعب الواسع، ليس للباحث، إلا أن يحدد مفهوم الشرق الأوسط قياساً على تلك التقسيمات الكلاسيكية، للجهات الأربع، لأن مجرد كونه أوسطاً يعني وقوعه بين هذه الجهات، ضمن حيّز جغرافي يضيف ويتسع، تبعاً لزاوية النظر، وتبعاً للمصالح المتفقة أو المختلفة، ذلك لأن الاتفاق على هذه العبارة، يزداد طرداً مع الغموض، في حين الاختلاف يزداد طرداً مع الوضوح، لأن الوضوح يلامس جوهر الأشياء وأن هذا بحد ذاته مدعاة للاختلاف، بعكس حال الغموض و ليس البحث بالأمر الهين مطلقا,ً بل هو أعمق وأشمل مما كنت أتوقع وأظن, فكلما تعمق الباحث في نقطة جوهرية، تفرعت عنها جذور فرعية, وكلما بحث في دلالة معينة، ظهرتْ له هذه الدلالة بمفهومين، الأول عام، والثاني خاص في آن واحد، وعلى الباحث أن ينظر فيهما معاً . إن محاولة تحديد المفهوم بأكبر قدرٍ ممكن من الدقة، يقتضي تحديد المحاور الأساسية، ويقتضي أيضاً تحديد الدلالات الفرعية، ومن ثم الولوج إلى التفرعات الناتجة عنها والسير بها إلى نهايتها، في نظرة شمولية، تمر عبر محاور أساسية، وذلك بعد الولوج في مدخل عام فضفاض، يفضي إلى تلك المحاور، ومن ثم يتفرع عنها، لتشكل هذه المحاور وتلك الدلالات والتفرعات شكلاً هندسياً، أو مجسّماً ما، له مركز ونقطة انطلاق، وخطوط تنطلق منه بزوايا حادة، ثم منفرجة إلى أبعد حدٍ ممكن، ومن تم محاولة جمعها ولملمتها، بعد أن تكون قد اتسعت لأكبر قدر ممكن من وجهات النظر المتفقة او المختلفة، وربما في مركز قطبي آخر ليظهر هذا المجسم في شكله النهائي، وعلى هذا المنهج يمكن السير.
 
8)- مسالك :
        وفقاً لذلك يمكن سبر أغوار الماضي السحيق، كما يمكن سبر أعماق المستقبل، بصفة هيولية تستمد وجودها, أي الصفة, من تلك المحاور, التي تتشكّل كمفاتيح للدخول إلى عالم كل محور، وكأنه عالم لا علاقة له بعوالم المحاور الأخرى, ويعود سبب ذلك إلى السعة المحيطية الكبيرة لكل محور من هذه المحاور, الذي بدو وكأنه منفصل عن المحور الآخر, ومع أنها مرتبطة بعضها ببعض، بشكل منهجي علمي, وتشكل هيكلاً متكاملاً في ذهن الباحث والقارئ على حدٍ سواء . ويمكن فصل كل محور عن المحاور الأخرى، دون أن يؤثر ذلك على البحث الكلي سلبياً، تشبه هذه الإمكانية, فصل كل محور, حركة القطار، الذي يمكن فصل كل عربة من عرباته، ويمكن ربطها أيضاً، دون أن يؤثر ذلك على حركة سيره أو على شكله العام، ويمكن لهذه العربة أن تشكل شكلاً خاصاً ومستقلاً بها أيضاً . اعتاد البعض على تحديد المحاور في الندوات الفكرية عامة، كما اعتاد رجال الحربية، على استعمال تعبير المحور على حركة القوات العسكرية، واعتاد رجال السياسة والدبلوماسية، على الإشارة إلى التحالفات الدولية في مجال السياسة أو في مجال الاقتصاد بعبارة المحور أو المحاور الدولية، أو ما شابه ذلك من تعبيرات في هذا المجال العام . إلا أنني أشير بالمحور, في هذا البحث, أشير إلى الأفكار التي أرغب في تناولها في فترةٍ زمنيةٍ طويلة، إذ أن هذه الفترة تمتد من التاريخ السحيق إلى الأعماق والآفاق المستقبلية المنظورة وغير المنظورة, مروراً بالواقع، كما إنها قد تمتد, من زاوية أخرى, إلى حقبة زمنية طويلة نسبياً قد تستغرق عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن أو أكثر، لهذا فإنه من الضروري أن أوضح ما أود العمل به, والكتابة فيه كمخطط مرن وواسع فضفاض، وأيضاً عليّ أن أوضح بأن هذا يحتاج لزمن وجهد، وأن هذا البحث الذي بين يديك ليس إلا أول خطوة في هذا الطريق الطويل، وربما لا يمكنني الاستمرار فيه لسبب أو لآخر، بشكل داخل في إرادتي، أو بسبب خارج عنها . ويمكن، للقارئ أو الباحث أو الشخص المعني، بعد توضيح المحاور, إن يتتبع لذاته، وأن يكمل بالقراءة أو الكتابة، بالقول أو الفعل ما لم استطع إكماله . قد يبدو الإلهام أو النبوغ في مجالات الفكر والفن، نوعاً من الوميض الإلهي، كما يقول بعض المتصوفة, أو من فيض اللاشعور كما يقول بعض الفلاسفة، أو الخارج عن المألوف كما يقول المبدعون، ومهما تكن التسمية التي تميل إليها, او الأمر الذي تركن إليه, فلن يحصل مثل هذا، لو لم يكن مستندأ على دعامة قوية تقوده إلى ذلك الوميض . تبدو مقولة " إن أولى مراحل الإبداع في أي مجال، هو تراكم كمي، يسبق الانتقال النوعي، تبدو صحيحة, وهذه الفكرة أو المقولة ترتكز بدورها إلى الفلسفية الماركسية التي تفيد " إن التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي " ,  ولا يمكنني أن أكون ناقداً أو ملاحظاً، ما لم أكن امتلكت الأدوات المعرفية اللازمة لهذه المعرفة، واولى هذه الأدوات المعرفية هي المعرفة ذاتها، فكيف لي أن أمتلك أدوات وأسميها معرفية، ما لم أكن أمتلك المعرفة ذاتها، وإلا بقيتْ هذه الأدوات مادةً جامدةً بدون روح . قد تقول أن هذا الأمر خارج المحاور التي أتيتَ على ذكرها، أقول، إنها المحاور ذاتها، لأنها هي الأدوات، وإن المعرفة يجب أن تلحق بها، أي يجب عليّ أن أعرِف هذه المحاور معرفة ذهنية على الأقل، وهل يستطيع المهندس أن يقيم بناءاً، ما لم يعرف محاوره، وأساساته، وطرق ارتكازها، والتربة التي نقيم عليها البناء ؟ !, لهذا يتوجب عليّ أن احدد المدخل، وأن أحدد المحاور الأساسية التي يوجب البحث أن أسلكها، وعلى هذا الأساس لم يكن مفهوم " الشرق الأوسط " كلمة تقال فقط، بل هو مدلول له تفرعاته ولم تكن " الجذور " تاريخاً فقط، بل هي حضارة تاريخية, بكل ما تعنيه هذه الكلمة، ولم يكن " الواقع " هو الذي نعيشه أو نعاصره، بل هو أكثر من ذلك, يعني وجود الذات كما يعني وجود الآخر, برفضه وقبوله، وكذلك حال الآفاق التي هي مساحة ممتدة في الآفق البعيد لا يحدها المكان او الزمان, والعلاقات المتداخلة بين ما هو رسمي وشخصي وحكومي وسياسي وتجاري وعسكري وامني وغير ذلك, والقرارات بتفرعاتها المحلية الوطنية, والوطنية الإقليمية, والاقليمية الدوالية, والقادة, وأخيراً التأملات .
 
9)- مفهـوم :
        يوجب البحث في المحور الأول محاولة تحديد المفهوم, أي مفهوم منطقة " الشرق الأوسط ", الذي أسميته منطقة " العرب وجوارهم ", كمُجسم يتوجب تحديده، وعليّ أن أدور حول هذا المجسم لأجل اكتشاف او كشف جوانبه المتعددة لجهة العدد ولجهة الشكل ولجهة المضمون أيضاً، أو نجعله يدور حولنا لنكتشف الجوانب الأخرى عند دورانه حول ذاته، وكأنَّ الباحث هو الضوء الذي يسلط على المجسم بغية اكتشافه عند تعرّض تلك الجوانب للضوء، ومرة ثانية قد تبدو خطوط الطول وخطوط العرض مقبولة في تحديد ذلك، كما تبدو الجهات الأربع هي الأخرى مقبولة، ومع ذلك يبدو منطلق التحديد غامضاً، أي الخطوط والجهات، عند تحديد مدلوله أو هذا مفهومه, من وجهة نظر الدبلوماسي أو السياسي، أو من وجهة نظر الجغرافية السياسية والعسكرية . هنا لن أتحدث عن الصعوبات، لأنه سبق الحديث فيها, ولكن في " الدبلوماسية يوصف التعبير الذي لا يقطع بلفظه في مدلوله، فيكون من شأنه أن يسمح بعديد من التفسيرات، يتيح ذلك للدبلوماسيين حرية العمل، عن مثل هذا التعبير, يُوصَف بالدبلوماسية, بأنه الزنجي الأبيض . . " , وفي عبارات وعد بلفور,كمثال على الزنجي الأبيض, حرية في العمل للدبلوماسية البريطانية منذ البداية، وحتى قيام دولة إسرائيل, ", فالوطن القومي، تعني إحياء دولة يهودية كبرى في الأجيال القادمة, وتعني أنها لا تشير إلى تحويل فلسطين بجملتها وجعلها وطنناً  قومياً لليهود ", وقد تعني غير ذلك كما قد تعني " وطناً كهذا يؤسس في فلسطين " لاحقاً(10) . إن تسمية " الشرق الأوسط " حين إضلاق هذا المفهوم أو المصطلح, هي من قبيل الزنجي الأبيض الذي تستخدمه الدبلوماسية البريطانية، من جهة المكان, وبذلك يمكن إطلاق هذا المفهوم على العالم العربي كله أو بعضه، ويمكن إطلاقه على العالم الإسلامي كله أو بعضه ويمكن اتساع هذا المفهوم ليشمل اليونان، ويمكن تشميله أماكن أخرى من الجغرافية، يكون حسب المصلحة الذاتية للمتحدث . إن هذا المفهوم " الشرق الأوسط " مرن, من جهة الزمان أيضاً، لهذا فإن ما يقصد به في الأمس ليس ذاته الذي نقصده اليوم، وان الجهة ذاتها التي تتحدث فيه اليوم، فإنها في الغد القريب تصبح لهذه الجهة ذاتها دلالة أخرى تبعاً للمصلحة، كما أنه يتبدل, أي المفهوم, تبعاً للظروف، فهو جغرافي وسياسي وعسكري وأمني واجتماعي واقتصادي ونفط وجيوش، وبنوك وعلاقات وأزمات وإرهاب وأديان, والخ, أي أن مفهوم الشرق الأوسط في جوهره, زنجي أبيض, فهو أبيض اليوم، وزنجي غداً أو العكس ومع ذلك فإنني أقول أن مفهوم الشرق الأوسط, هو كل ذلك . حتى أن الصياغة اللفظية لبعض التصريحات والأحاديث الدبلوماسية لها ذات القوة، بل هي القوة ذاتها في بعض الأحيان، وقد قال كيسنجر " . . سمعت ولأول مرة صيغة أساسيه للعلاقات الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط، حين أعاد أحدهم إلى الأذهان تلك العبارات الخاصة بالقرار / 242 / الصادرة عن مجلس الأمن، واتبعها بعض كلمات حول ضرورة إقامة سلام عادل وثابت وبموجب الحدود الآمنة والمعترف بها، فظهر لي وكأنه كليشة وتجاسرت واتهمت قائلها بأنه يهزأ بي ولم آخذ في الحسبان أبداً، أن هناك كلمات إذا، استعلمت في سبيل تحقيق مطلب، فإنها تعكر الجو أكثر مما توصل بالمرء إلى غايته" (11) . قد تقود محاولة تحديد المفهوم لجهة الزمان, قد تقود إلى إلى تجذيره، أي هل لهذا المفهوم جذور تاريخية ؟ وبالتالي فإن محاولة التجذير، أو التأطير الزمني، تدخلنا, من حيث نريد أو لا نريد, تُدخلنا في البحث بالحضارات والأديان، وهذه عبارة عن رمالٍ متحركة يصعب السير فيها, دون أخذ الاحتياطات اللازمة بعين الاعتبار, وذلك خشية الانزلاق في المقدسات الدينية, التي تأخذك في أعماق بعيدةٍ لم تكن لديك الرغبة في خوض المعركة حيث يرغب من لا جذور له, بخوضها هناك بحثاً عن تأسيس جذور تاريخية يفتقدها أساساً، قد تقودك إرادة للدخول في تلك المسالك, تقودك إلى الدخول في منطقة الرمال التحركة فتغرق فيها بدون قصد أو رغبة .
 
10)- جـذور :
        يفتقد الأمريكان إلى التاريخ العميق, وبالتالي إلى الحضارة العريقة, يقول الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون : " قلة هي الأماكن على وجهة البسيطة التي تجاري الشرق الأوسط، من حيث كونه بؤرة قصة أو أسطورة ، أو ملتقى طرق استراتيجية . ويرجع تاريخ هذه المنطقة إلى آلاف السنين . فلم تقم فيه سلالات وتندثر فحسب، بل حضارات " (12), وقد يرى السيد نيكسون البعد الحضاري والتاريخي في صراع " الشرق الأوسط ", في حين يرى السيّد هنري كسنجر " النزاع في الشرق الأوسط لا يعود إلى آلاف السنين، كما يزعمون غالباً، إنه حصيلة قرننا العشرين حصراً، وبالحقيقة أن الحركات الصهيونية والعربية القومية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، ولكنها لم تكن موجهة ضد بعضها البعض " (13), وكان علينا أن ننتظر بدايات القرن العشرين حتى يأخذ العرب واليهود مواقعهم بمواجهة بعضهم البعض في صراع مميت على مستقبل هذه البقعة من الأرض, ويتفق كل من السيدين ريتشارد نيكسون وهنري كسنجر، بأن تاريخ هذه المنطقة يرجع إلى آلاف السنين، وان العرب واليهود كانوا في تعايش سلمي حتى زوال التسلط العثماني، ومن ثم يأخذون في عراك مميت حول المستقبل السياسي لهذه المنطقة، وانفجرت واهتاجت تلك الأرض، بعد الحرب العالمية الثانية، وكان خلق إسرائيل واحداً من الأسباب التي أدت إلى النزاعات . إن " الشرق الأوسط " جزءٌ من الشرق القديم، والشرق القديم دلالة حضارية وتاريخية ودينية، إضافة إلى كونه دلالة عسكرية وجغرافية وسياسية واقتصادية، فالشرق، تاريخ وجغرافية، وحروب ومعارك وجيوش، وعقائد دينية وأيدلوجية، وأفكار عرقية ومبادئ ومصالح ومفاهيم، متفقة حيناً ومتناقضة في أحيانٍ أخرى، إن محاولة تجذير المفهوم، يقودنا إلى التاريخ، بقوة دفع أو قوة جذب، الأمر الذي يجعلنا ننزلق في رمال التاريخ الديني الممتزج بالحقيقة، والأسطورة والوهم، حيث يعتبر البعض أن هذا التاريخ يخصه وحده، وهو من مقدسا ته الخاصة، و في الوقت ذاته يرفض فيه البعض الأخر قبول هذه المسلمات مع محاولة عرضها مجدداً، وفقاً لرأيه الذي يعتقد أنه الحقيقة المطلقة، هذا الإثبات من جهة، والنفي من الجهة الأخرى، يقودنا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب الواحة/2/نقد الابداع/2/ ظبية خميس

كتبها خلف المجدمي ، في 2 أيار 2010 الساعة: 21:07 م

كتاب الواحة /2

الرقة /ربيع -2010
خلف المجدمي
نقد الإبداع
   (2)
 
 
  

 
ظبية خميس
دراسة
 
الطبعة(2) : منقحة و مزيدة , الرقة – ربيع (2010) / سورية, الطبعة (1) بعنوان ( في جماليات الشعر ), بموافقة التداول رقم, (49618), تاريخ , ( 5/ 8/2001 ) مديرية الرقابة,وزارة الإعلام, دمشق, الجمهورية العربية السورية
 
 
المحامي
خلف محمد الخلف (المجدمي)
الرقة ص ب 135: - سورية
تلفون :    233413 - 00963- 22
242504              - 00963 - 22
موبايل :    092 90 77 5300963-
 
البريد الاليكتروني :
alwaha97@gmail.com
رابط مدونة نقد الإبداع
http://klfalmjdmi.maktoobblog.com/
رابط البحث في المدونة
http://klfalmjdmi.maktoobblog.com/888260/888260/
 
مخطط البحث
 
إهداء . الفصل(1) محاولة : 1- بداية, 2- اختيار3 – موضوعية . فصل (2) تصادم: 4- نماذج, 5- تماثل, 6- تفرّد . فصل (3) نظرة : 7- تذوق, 8- محبة,9- تأمل . فصل (4) انتحار :10- عشق, 11- روح, 12- تخاطر . فصل (5) قرمزي : 13- غموض, 14- شفافية, 15- صحراء . فصل (6) رومنتيكي : 16- أمواج, 17- جسد, 18- حلم  . فصل (7) هاجس : 19انتظار, 20- الغريب, 21- المجهول . فصل (8) تأملات :22- زهور, 23- صبابات, 24- ختام  . هوامش ومراجع
 
إهداء :
 
إلى روحي , الموجودة بكم وبسواكم, حيث هي وأنتم , تُُكوِّن ذاتها بقبولكم وبرفضكم , ستكون موجودة لأنها تريد , ولا شأن لي ولكم , بما أرادتْ , وما تريد , هي الشيخ وأنا , المُريد .
 
 
الفصل(1) محاولة
1-           بداية :
      ظبية خميس, شاعرة وموظفة دولية ودبلوماسية عربية من دولة الإمارات العربية المتحدة, ولدت في دبي ودرست علومها الأولية هناك, وحصلت على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة إنديانا في بريطانيا عام 1980, و أتمت دراستها العليا في جامعتي اكسترا ولندن منذ عام 1982لغاية عام 1987, وأكملت أبحاثها في الجامعة الأمريكية في القاهرة1992ـ1994 . عملت نائب مدير إدارة التخطيط في أبو ظبي, وأشرفت على البرامج الثقافية في تلفزيون دبي . باحثة ودبلوماسية وموظفة دولية بجامعة الدول العربية, ومارست العمل الصحفي, اختارت القاهرة مكاناً للعيش والإقامة مع بداية عام 1989 (1). كتبتْ حوالي ثمانية دواوين شعرية, وهي تباعاً, خطوة فوق الأرض1981, والثنائية 1982, و صبابات المهرة العمانية1985 (2), قصائد حب1985, السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر1988, انتحار هادئ جداً1992(3), جنة الجنرالات1993, موت العائلة 1993. وكتبت القصة القصيرة أيضاً, وصدر لها أول مجموعة قصصية بعنوان خلخال السيدة العرجاء (4), ومجموعة أخرى, عروق الجير والحنة عام1985, والثانية عام 1990, لها بعض الدراسات النقدية, مثل الذات الأنثوية (5), وصنم المرأة الشعري (6), شعراء البارات والمقاهي والسجون, ديكتاتورية الروح والأعمال الأخرى, مثل قفطان الذاكرة(7) وسنتناول هنا أهم أعمالها الشعرية وهي مجموعاتها الشعرية الأربع, صبابات المهرة العمانية, انتحار هادئ جداً, القرمزي (8), الأحلام الرومانتيكية (9), مع الإشارة إلى بعض أعمالها الإبداعية, وغير الإبداعية, كلما دعت الحاجة . لمعت بعض الأسماء الأدبية هناك ثم انطفأت أو تغيبت, وكان الإعلام وراء هذا وذاك, ويكمن السبب الحقيقي لغياب سعاد الصباح كشاعرة خليجية, في اهتمامها السياسي الذي طغى على الاهتمام الأدبي وعلى كل الاهتمامات الأخرى لديها, وربما كان لديها العذر الكامل . يبدأ النقد الأدبي بالحديث عن الأدب, وتظهر ملكة النقد عند القارئ عند نمو إحساسه الفني ليرتفع إلى التذوق الذاتي ثم الموضوعي الذي يقود إلى المنهجية, وقد تكون المنهجية موجودة في التذوق الذاتي, وقد يقول البعض بعدم وجود المنهجية في الحالة الذاتية, أقول : إن للمنهجية الذاتية, إن صحت التسمية, بعض الوجود في التذوق الأدبي إن لم تكن الوجود كله, يكون للذات المبدعة منهجها وللذات الناقدة منهجها هي الأخرى في تذوق جمالية النص الأدبي عامة والنص الشعري خاصة, وتوضيح سبب الاختيار وتحديده لجهة الأشخاص أو المواد هي البداية المنهجية العلمية السليمة. لماذا وقع الاختيار على الشاعرة ظبية خميس وعلى تذوق ثلاث من دواوينها الشعرية, وهي انتحار هادئ جداً, والقرمزي, وأحلام الرومانتيكية ؟ ومن ثم ديوان ( ليلى بلا عشاق ) لشوقي بغدادي(10), والتذوق الجمالي لديوان ابن الفارض(11) من خلال مفهوميّ الروح والهوى في نصوص مختارة من ديوانه, وتكون قراءة النصوص بمنهج نقدي يعتمد على الذائقة الذاتية للتذوق الشعري وعلى الإسقاط النفسي على النص المدروس, بأبعاد ثلاثية تشمل المبدع والدارس والمتلقي, ويظل النص المدروس هو المفصل الأساس في القراءة والتأويل, الذي قد تتفق معه أو تختلف, وهنا يكمن سر الإبداع الحقيقي الذي يدخلنا بمرحلة تعدد القراءة الجمالية للنص الواحد, ويظل الإبداع قاصراً إن لم يحقق تعددية في القراءة . خطتْ الشاعرة أول " خطوة فوق الأرض ", في بيروت, كعمل شعري أو مجموعة شعرية, أو ديوان شعر, صدر عن دار الكلمة عام 1981م, ثم كانت مجموعة شعرية " الثنائية : أنا المرأة , الأرض , كل الضلوع ", في دار الكامل , في لندن عام 1983, ولكن تبلورتْ التجربة الشعرية مع "صبابات المهرة العُمانية ", في بيروت, عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 1985, كتبت الشاعرة أول قصائدها في الشارقة بنهاية عام 1981, ثم أكملتها في لندن, بنهاية عام 1984, أهدتها " إلى المهرة الجليلة " أمها, وأضافتْ : " .. أبوح إليكم في أشعاري هذه, بما همستْ به المهرة العمانية … "(12) . تبدو القصيدة الأخيرة في ترتيب المجموعة هي أول ما كتبته , في الشارقة بنهاية عام 1981, كان الهم السياسي رديفاً للنصوص, وظهرت الوصفية والتقريرية , على حساب الصورة الشعرية التي ظللتْ باهتة, وتقدمتْ المباشرة بالفكرة على حساب المجاز الشعري, وما ذاك إلا من مقومات الهم السياسي في النص الشعري, ولكن أسعفها الإيقاع الشعري الداخلي, والموسيقى الواضحة بداخل النص, تلك الموسيقى التي لا بد منها في النص الشعري, وذاك الإيقاع الداخلي الذي يرتفع بالنص من الفكري إلى الشعري . وتبدو " أغنية الرؤيا" تعبيراً عن الهاجس السياسي بشكله المستقبلي, كانت الشاعرة متفائلة بالمستقبل, ففلسطين ستعود " بين الضلع والضلع ", وهناك الحنين والوردة والبسمة والفرحة والأمل, وهناك السنبلة والزهر والعشق والنخل والتوت والنخل والرطب, والفجر والشمس والقناديل, بمقابل الجرح والحزن والدمعة والليل والموت والخنجر والقتلة, يبدو العامل والأرض والفلاح, والشباب والثورة, ولكن حتى تتحقق تلك الرؤيا يشترط النص الشعري أن نحارب " حتى يُسمح لليل أن ينجب شمعاً / .. يسود الأرض أمان , ولكن قبلاً سنحارب , ونحارب, ونحارب ,. … بالحب وبالحكمة ", و….. فهل تحققت تلك الرؤيا ؟, يبدو أنها لم تتحقق لعدم تحقق الشرط الواجب قيامه لحدوثها وهو شرط الحرب, لأننا لم نحارب, لم تتحقق تلك الرؤيا . بدت قصيدة صبابات المهرة العُمانية في أقسامها الثلاث, رواق وممرات وخيالات, بدت كملحمة شعرية قصيرة, متعاكسة اللون تترافق مفردات الرواق: والخيالات, والأشباح والموت والشحوب وغبار وطين وتراب وأقبية وخناجر وغدر, وحشية الموت, بمقابل الفجر وعطر الأنوثة, وابتسامات الطفولة, وثمرة الحب والشمس والنور, ورموز " الصنوبر الأحمر, وأوراق البرتقال القانية, والغصون الوحشية, ما هذا الرواق الذي تدلف أليه الظباء ؟ وما تلك الحمرة القانية لأوراق البرتقال :
- سيمر اليوم الأول ونُحارب
ويمر اليوم الثاني ونموت
ويمر الرابع , والخامس, والعاشر, ونحارب,
سيكون العشق غزيراً, ويكون الطفل جنيناً مارد, ونحارب,
بالشعر نحارب, بالعشق و بالطفل, وباقات الزهر,
بالعود اليابس والنخل,
وبجذع النخل وحبات التوت .
- بيروت ستخرج من هذا الليل / وتصبح وردة /
 تصبح أرضاً / وطناً للحب / وكتاباً يُقرأ
-         في أول الرواق ضجيج / وفي آخره شحوب الضوء الأخير / تدلف الظباء إليه.(13)
 
2- اختيار:
     قرأت في زمن سابق في دورية عربية اعتقد أنها الهلال، أبياتاً شعرية بتوقيع الأميرة سعاد الصباح فيها بعض الصور الصوفية في الغزل الهادئ الخافت, مع موهبة حقيقية تجلًت بروح حالمة بآفاقها الشعرية, وكنت قد حصلت على الدورية من مكتبة رصيف تتولى بيع الكتب والمجلات والصحف العربية والأجنبية القديمة, في منتصف سبعينيات القرن العشرين بحلب, وأعتقد أن الدورية كانت صادرة في الستينيات, وكنت في بداية تذوقي للشعر, ورسخت تلك الأبيات كوشم في ذاكرتي, لأنها عبّرت عن حالتي النفسية آنذاك وعن حالتي الفكرية أيضاً, كنت ومازلت عاشقاً إلى يومنا هذا, وان اختلفت الرموز والإشارات :
" أي نهر
في ربا عينيك يجري أي كوثر
أي نور فيهما يبدو لعيني فأبصر
أي نار فيهما تجعل قلبي يتبخر
أي كأس فيهما تنساب في روحي فأسكر
أي سهم فيهما يجعل كبري يتكسر
أي لون يتجلى فيهما الله أكبر ".(14)
      بدت الأبيات وكأنها البدايات الأولى للشاعرة سعاد الصباح, أو على الأقل هي بدايات النشر الأولى, فالنهر كوثر, والنور يبصر، والنار تبخر, والسهم يكسر, والتجلي الله أكبر, والإشارات دالة على الذات مثل، عيني, قلبي، روحي, كبري، أبصر, أسكر ..الخ وكانت هذه بداية ميلاد الأنا الكبيرة عند الشاعرة، التي تخلت بعد ذلك عن لقب الأميرة ومالت إلى اللقب العلمي (الدكتورة) والى لقب الشاعرة هي أكثر ميلاً حسب اعتقادنا, وحسب منشوراتها, وهي أول شخصية خليجية, قرأت لها بهدوء وروية وإعجاب أيضا, وتفاعل اهتمامي بمنطقة الخليج العربي طرداً مع تقدمي بالسن والقراءة ولأسباب كثيرة متعددة لا مجال لذكرها الآن, وكان وما زال الأدب الرائد الأول لهذا الاهتمام .لماذا ظبية خميس ؟ لعبت الصدفة أو المصادفة في القراءة ثم الكتابة الدور الأكبر في الاختيار, وربما ينكر البعض كيفية هذا الاختيار, أقول هذا واقع الحال, ولماذا الإنكار أو التنكر لاختيار شخص أو موضوع, وهناك بعض النظريات الفلسفية تفسر كل الكون على أساس من ذلك, مع ذلك لا بد من تفسير. تبدو البيئة الاجتماعية هي العامل الحاسم في الاختيار, البيئة التي ثارت الشاعرة عليها أو العكس, البيئة التي ثارت على الشاعرة, وهي في الحالتين الخليج العربي الذي اقتصر البعض على لفظه دون أن يكون مقترناً بصفته الملازمة لتجنب اعتراض بعض الدول على اللفظ، فأصبح الخليج فقط. ويعني هذا الخليج للغالبية من الناس بما فيهم بعض أهل الخليج وبكل أسف, يعني المال فقط, ولم نتصور وجود الفكر والحضارة والأدب والفن والمثل والقيم هناك، وان وجدت عللناها بحضارة مادية مستوردة من الغرب شأن السلع الاستهلاكية الأخرى التي يستوردونها أو تُصدّر إليه . ويتعلق التصور بعاملين: الأول بالخليج العربي ذاته, إذ لم يرسل الخليج في سفاراته الشعبية سوى النموذج الحي لرجال المال والترف والإسراف, وأقول في سفاراته الشعبية وليس الرسمية, فدمشق ملتقى لهؤلاء وهؤلاء أيضاً, وكذلك بقية المدن العربية والأجنبية وكم تمنيت أن أقابل أشخاصاً من ذلك المكان الجغرافي أو تلك البيئة الاجتماعية من الذين يحملون فكراً نيّراً, وهذا بعض التقصير مني, لأن مقابلتي لبعض هؤلاء الذين يحملون صورة غير محمودة عن بلادهم، لا يعني انعدام وجود الآخرين من المبدعين في هذا المجال أو ذاك, وربما لم تتوفر الفرصة المناسبة بسبب قلة المال لديهم للتواصل الايجابي المفيد مع الآخرين. والثاني يتعلق بالآخر, الذي لم يتصور ولم يرغب بتصور وجود حقيقي للمبدع والمثقف في بيئة الخليج العربي, وبالتالي لم يحاول التواصل مع تلك البيئة إلا من خلال المال والنفط, فكانت نظرته قاصرة على ذلك, وبالتالي لم يتواصل إلا لأجل المال دون سواه، وعزز أهل البيئة هذا الجانب بطريق الانكفاء على الذات, ورد كل علاقة معهم من الآخرين على إطلاقهم إلى المال, ولم يحاول الأفراد أو الجماعات هناك إيجاد علاقات تبادلية بطابع اجتماعي أو فني أو فكري أو غير ذلك, وقد تتخللها علاقات اقتصادية . تغص منطقة بالخليج العربي بالمبدعين, كما تغص بالمال والنفط, هكذا كنت ومازلت أعتقد, وظهر إلينا وجه النفط, وغيب وجه المبدعين. استمعت إلى عبد الرحمن منيف, وقرأت بعض أعماله, تبين لي أنه حمل البيئة التي عاشها, وتأثر بالفكرة التي قاوم من أجلها, ولم يكن في تكوّنه خليجياً, وقرأت بعض الأعمال الأكاديمية لمحمد جابر الأنصاري كمفكر وباحث وأستاذ جامعي خليجي, وتبين لي أن أفكاره قد تشكلت في بيروت تلك المدينة التي عاش فيها عقداً كاملاً من الزمن, وهي مرحلة تكونه الأكاديمي والفكري العام, ولم أشعر أن البيئة التي ولد فيها الأنصاري, فقيرة فكرياً . خاضت سعاد الصباح تجربة رائدة في الشعر السياسي في شبه الجزيرة العربية, وحملت نصوصها الأولى شفافية الروح, وخفوت الغزل الرقيق, وكتبت شعرها بموهبة حقيقية وعاطفة محكومة بخفوت المرأة, ولم تبتذل بصورها عالم الجسد, ومالت بعد نضوجها الفكري والسياسي, واكتمال موهبتها, مالت إلى الشعر السياسي بترنيمة عالية في الأداء والجودة, وكانت محافظة ولم أجد لديها التجديد في الرؤية الفنية أو الطرح الشعري, وكانت أكثر جرأة في الشعر السياسي عبد تداخل الأزمات العامة في وطنها العربي الكبير. ولم تشمل   قراءتي كل إبداع حمدة خميس الشعري, الذي حمل فكرة اجتماعية, ولم أجد الصور الجريئة فنياً, مع هذا تكونت لديّ فكرة سريعة وبسيطة كبذرة قراءة جادة وأكثر عمقاً قد تتحقق في المستقبل القريب وقد لا تتحقق . ودخلت إلى المنطقة من خلال قراءة أعمال إبداعية للشاعرة ظبية خميس التي حملت نصوصها فكراً عميقاً نيّراً, في ثورة داخلية على البيئة, أو ثورة البيئة عليها, فكانت حالة الصدام التصادم, فكانت صورها الشعرية أكثر جرأة من غيرها ببيئة محافظة نسبياً . السؤال: كيف تكوّن هذا القلم النسائي الخليجي المبدع ؟ ولم يكن من جواب إلا بالقراءة لأعمالها الإبداعية الشعرية السابقة الذكر, وكان الاختيار الحقيقي, كونها امرأة أولاً وخليجية ثانياًً, ومجددة وثائرة ومثقفة في الفكر السياسي - كما سيظهر لي لاحقاً- ثالثاً, وربما يعود الاختيار إلى سبب كامن في اللاشعور, أحاول أن أجد له تفسيراً بدون أن افلح .
 
3- موضوعية :
      حاولتُ أن أكتب بموضوعية مطلقة، التي تبدو وكأنها معدومة, أو على الأقل ضعيفة في العلوم الإنسانية عامة وفي التذوق الشعري خاصة, لاختلاف الذائقة ونسبيتها, وأعترف بأنني كتبتُ عنها بمودة ,ويعود سبب ذلك إلى أعماقي, بتقارب الاهتمام بالقضايا العامة وبيئة اجتماعية متشابهة, وقراءة للتاريخ والأدب والفكر السياسي من جهة, وسبب آخر يعود إلى أعماقها وذاتها, فهي جريئة جامحة متمردة هائمة رافضة, ومتحدية وترغب في منازلتها بعراك فكري الغلبة فيه لمن يحمل الأصالة والفكر النيّر المتجدد, إنها النموذج الحي لوطنية قاربت الانطفاء أو شعلة شارفت على الذبول والذوبان في الآخر بدون مقابل، فتمردتْ على الذات واستقلت عن الآخر, وعبرت عن ذاتها وأعماقها العصية على الاجتياح, ومن أعماقي ومن ذاتها كان واقع وحقيقة الاختيار. " تقول قصائدي أنني امرأة يائسة, ولسبب ما هو الآخر غامضٌ, أود أن أشارككم في رؤية هذه الجوانب المؤلمة حقاً, حياتي تنقلات, الاستقرار يربكني, لازلت اغرق في حيرتي, كنتُ انشغل بتفاصيل الآخر الخارج, الآن اتجه إلى الداخل إلى الذات, لأنني لست واثقة من أن الشاعر, يستطيع تغيير مسار الكرة الأرضية, في النص الشعري. علاقتي بالوطن بالعائلة بالرجل بالأصدقاء بالأماكن دائماً انتحار هادىء جداً …. " (15). لهذا القول إشاراته النفسية العميقة, إنها حالة الاعتراف للسيرة الذاتية, في زمن يصعب فيه البوح . تمحورت الشاعرة مع ذاتها بعد أن خاضت تجربة التمحور مع الآخر الخارج . تبدو الكتابة لديها حالة لشغل الفراغ, تمتص رحيق الداخل, وبالتالي فالكتابة طقوسية " تسبيح ومشاركة, روح, موجة فعل ". قدّم شوقي بغدادي أمسية شعرية بالمركز الثقافي العربي بالرقة، وقرأ فيها قصيدته التي تحمل عنوان " هزيمة خالد بن الوليد " وتم إخراجها مسرحياً, وحملتْ إسقاطات تاريخية على الواقع, أثارتْ في نفسي إحساساً مبهماً، بمشاعر متناثرة ومتناقضة، وتركتْ حزناً عميقاً ظل يراودني زمناً طويلاً, كانت القصيدة منشورة بديوانه " ليلى بلا عشاق ", قرأتها كثيراً فنزف الجرح النفسي العميق ألما مكتوماً, ولم أجد التفسير المناسب لمثل هذه الحالة، التي فجرتها قصيدة شعر, وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها شوقي بغدادي, وكنتُ قد قرأتُ له بعض أعماله الإبداعية ولكن فجرت هذه القصيدة ثورة في داخلي, لقد دفعت إلي المصادفة أو الصدفة شوقي بغدادي, وكنت قد قرأت بعض أعمال ظبية خميس, بهدوء وروية فحصل الاستكمال, وتركتُ هزيمة خالد بن الوليد ومضيتُ إلى قراءة كامل قصائد الديوان الذي صدر في طبعته الأولى في نهاية سبعينات القرن العشرين, والذي غلب عليه هاجس الوطن، وفيه الجموح والعنفوان والتسامي نحو المثل الاشتراكية بنظرة جديدة وجريئة تأخذ بيدك إلى عالم الفجر والشمس والأفق الأرحب الزاخر بالقيم والأمل, ورافقت اللغة الشعرية موسيقى داخلية بالنصوص وصورا مرسومة بحروف الكلمة الدالة بلفظها على مضمونها, ونابعة من معاناة ذاتية واقعية بتجربة حياتية خاصة, ارتبطتْ بهموم عامة لها صفة الشمولية في الزمان والمكان من منطلق سياسي فكري مؤدلج في النهاية, مع محاولة إسقاطه على الواقع اليومي الحياتي الخاص والعام للفرد والمجتمع والأمة, فكان الإبداع حقيقياً . وتبدو المقارنة بين ظبية خميس وشوقي بغدادي مفيدة, كان الوطن بمعناه الشامل هاجساً مشتركاً, غلب الترميز عند ظبية, والمباشرة والوضوح عند شوقي, ويعود ذلك إلى التكوّن الثقافي عند بغدادي الذي ارتبط بالنضال السياسي المباشر القادم من الفكر الاشتراكي المؤدلجح, في حين ارتبط عند الشاعرة, بالتاريخ السياسي والجغرافية السياسية والتاريخية, معبرة عن ثقافتها وهاجسها الذاتي, وقدّم ديوانه بنفسه وتحدّث عن تجربته الشعرية والفكرية والنضالية مع اعتذاره عن هذه المقدمة, وقدّمتْ ديوانها بنفسها, بكلمة صادقة, موجزة ومعبرة, واعتذرتْ عن مثل هذا التقديم إذ ليس للشاعر حسب العرف, أن يضع مقدمة لديوانه, على حد قولها, فهل يصبح هذا عرفاً للشعراء بعد ذلك, يقوم السؤال التالي: لماذا هذا التقديم ؟ وهل هي الصدفة أو المصادفة مع تشابه الهاجس ؟ أم هناك بعض الأسباب الأخرى ؟ أعتقد أنها الحالة النفسية الواحدة في التعبير عن الهاجس الواحد, يبدو التشابه واضحاً في الشكل والمضمون وتطابق الهاجس العام, ووقع الاختلاف بالطرح الفكري والفني المرادف للصور الفنية والبلاغية وفي اللغة التعبيرية, بدت اللغة عند بغدادي جزلة ومكثفة, في إيحاء بلاغي موزون في اللفظ والموسيقى التي غلب عليها الطابع الغنائي الثوري, حتى تظن أنك ذاهب إلى الحرب والقتال, وهي أقرب إلى لغة البيانات العسكرية والسياسية, في حين كانت لغة ظبية خميس بسيطة وهادئة, وهي أقرب للإيحاء من المباشرة, واعتمدتْ الأسطورة حيناً وعلى الترميز القادم من أعماق التاريخ أحياناً أخرى بتوظيف سياسي معاصر, حتى تظن من فرط الترميز والتنويه, بوجود هلوسة ذاتية ولفظية شعرية, بسبب غياب البلاغة المباشرة, التي ساهمتْ في صعوبة فهم النص الشعري عند قراءته جمالياً وكانت لغتها أقرب إلى التنويهات الدبلوماسية المرنة التي تحتمل أكثر من تأويل .
 
فصل (2) تصادم
4- نماذج :
        ولم يكن شوقي بغدادي واضح الطريق في الشعر أو الحياة إذ تأرجح بين العمود الشعري الكلاسيكي, أو لون الحداثة من تفعيلة وتكوينات تفعيليه تناغمتْ والتجديد الشعري زمن الخمسينات والستينات, ولم يفلح في قصيدة النثر, وظل متناقضاً بين الألوان الشعرية المتناثرة , كما تأرجح بين المذاهب الفكرية والحياتية من الاشتراكية إلى التجديد الحياتي, وقد تجد التضاد في حياته . قدّم ديوانه بحديث طويل فلسف فيه الشعر حسب وجهة نظره واعتبر".. الشعر لعبة مسلية, تنتهي بلعبة خطرة, يكاد أن يدفع الشاعر حياته ثمناً لها, وعندما يصبح الشعر قضية حياة أو موت, في هذه الحالة فقط يبدأ الإنسان حياته مع الشعر حقاً, ومن دون هذا الشعور الكاسح بالحياة أو الموت نبقى مخدوعين,..وعندما كنا نرمي الحجارة, غير مصدقين أن الموت ممكن, عندها لم يعد الشعر لعبة مسلية, بل صار احترافا ًويطمح الشعر والشاعر محاربة فساد العالم كله,..إنما المتعة في النشوة العجيبة بالشعر ذاته, انه الحياة أو أن الحياة مرتبطة به…" ويصف الشعر بنسمة الروح الطليقة, والمغامرة في أزقة الحي الحاشد بالبشر, وفي شوارع حاملة الصخب, وخير مكافأة هي اعتراف الناس, والنشوة الكبرى أن يجد الشاعر القدرة على أن يقول لا … في وجه المد الطافح في القسوة وفي الفساد والقذارة والتفاهة, وان ما ينشر ليس هو الأجمل وما يحجب ليس هو الأردأ, الحكم للأجيال,. والحكم للتاريخ .." (16) , ولعله هو الآخر قد شكل حالة تمرد وتضاد مع الذات والأخر، مع فهل بقي أميناً لهذه الفلسفة أم تحول إلى غيرها. بحثتُ عن حالات شعرية تفاعلتْ مع الواقع, الذي لم يتمكن من احتوائها, وتمردتْ عليه فرفضها ورفضته أيضاً, فكان الشعر الصوفي غنياً بها, وتعملق ابن الفارض كعلم مجدد حملته حيرته وتردده في المسار والمسلك, إلى تفرد في طريق غير معبدة, شافعي المذهب أقبل على الصوفية, وتدرج فيها صاعداً بروحه, هائماً في هواه نحو الذات التي سمتْ على ما حولها, دفعه عشقه الصوفي إلى تضاد مع المجتمع والواقع, والى المزيد من التناقض والغربة والوحدة, والسفر إلى أعماق جديدة لم يصلها غيره ولم تحقق رغبته في الفتوحات الصوفية, فواصل السير وحث الخطى نحو الأبعد والأكثر تفرداً, وتصاعدتْ ذاته من مرحلة الذات الفقيرة المتذللة للمحبوب الباحثة عنه لوصل ووصال, والتي ترادفتْ مع الصدّ وصدود بتناوب بين الذات والمحبوب المحبوب, إلى حالة التوحد معه بثنائية يصعب التمييز بينهما, فكأنه العاشق والمعشوق بآن واحد, ودان بوحدة الوجود, وارتفعتْ حالته من الشوق والوجد والهيام والانجذاب إلى حالة حلول المحبوب فيه أو العكس حلوله في المحبوب, وهو الذي وصل منزلة صوفية لم يصل إليها سواه من جيله الصوفي على الأقل, حتى لقب بالإمام العارف, وقد نُعِتَ بالشرف, وكان يُعرَف بسلطان العاشقين، زاره الملك الكامل في قاعة الخطابة بالأزهر الشريف, كان يريد منزلة أعلى وأكثر قرباً من المحبوب, وربما أراد أن يكون بمنزلة المحبوب, أو على الأقل بمنزلة توازيها ولا تقل عنها شأناً, وتاقتْ روحه للجديد المتفرد . الشيخ شرف الدين أبو حفص عمر بن مرشد بن على (576-632هجري/1181-1234ميلادي), أصله من حماة, وولد ونشأ ومات بمصر, أهتم بالفقه, واعتزل الناس بالمساجد المهجورة، ثم بواد ناء عن مكة, وعاد لمصر, ومات فيها ودُفن في سفح جبل المقطم في مكان يدعى القرافة, كان يرغب برؤية ارتفاع النيل، وكلما حل ذلك كان يتردد إلى مسجد الروضة, كان يعشق الجمال في مظاهره المتنوعة، أحب الأقدمين فجاء شعره تقليداً لهم, ملتزماً الصنعة وشاع بين أبناء عصره وزمنه, ناطقاً بالمعاني الصوفية, متكلفاً المحسنات البديعية والصور الشعرية التي اتسمت بالرِقة واللطافة الفائقة(17), كانت صوره الشعرية شفافة وظريفة, دقيقة المعنى واضحة العبارة, رشيقة ورقيقة كحفيف الفجر الماطر, شاع شعره الصوفي في زمنه، كما تلاه الصوفيون من الأجيال اللاحقة, كنموذج شعري وكطريقة يمكن الاقتداء بها, كان رضي الله عنه رجلاً صالحا, كثير الخير, حسن الصحبة, محمود العشرة, بدأ سيرته الصوفية بغربة مع الذات والمجتمع, واعتزل الناس, وكانت الشكوى والتمس الغفران والعطف, مفتاحه إلى المسلك الصوفي, وطلب الوصل والتواصل, مشيراً إلى حظه العاثر في هذا الطريق, والى شوقه الحائر, وقلبه المجروح, وحبه الدائم, وكانت الغربة والعزلة والوحدة سبيلاً لدخوله المسلك الصوفي, بتضاد في الصور والمعاني والحياة, ناشداً الكمال المطلق, والجمال الكامل, باحثاً عن اللقاء والوصال, وسعى إلى تحقيق حالة الحلول الكامل, والتي ظلت أمنية يسعى إليها, ويبدو أنها لم تتحقق, واستمرت روحه تواقة إلى منزلة روحية صوفية ترضي طموحه, فتفرد بوصف محاسن الروح, ومواطن حمال القلب, الذي يشع نوراً وجمالاً, وقادته نفسه الحائرة التائهة المتمردة، وروحه الهائمة المترددة, وقلبه الذي لم يعرف الاستقرار على حال واحدة, المشع بنور العشق الصوفي, قاده كل ذلك إلى العودة إلى الشك مرة أخرى, والعمل على إعادة النظر بالمسلك من أساسه. كانت الأنا لديه كبيرة, وطافحة في معظم نصوصه الشعرية, بعنفوان الكلمة وصدق الصورة, وتضاد داخلي ينبع من أعماقه الدفينة, فكانت نصوصه نموذجاً لحالته الفكرية والشعرية والصوفية, ساعدته اللغة التي أمست طيّعة بين يديه وبفكره, يعبّر بها بالطريقة التي تناسب أفكاره وحالته الصوفية والشعرية, بالوقت الذي عجز البعض من معاصريه عن ترجمة الحالة الصوفية إلى كيان مستقل, اللغة ذاتها ضاقت اللغة ولم تتسع لحالته فكانت المفردة الشيء ونقيضه وقد تأخذ أبعاداً ثلاثية أو أكثر, فترادفت الكلمات والمفردات والصور للتعبير عن الحالة التي يريد تصويرها أو الحديث عنها, وتمكن من توظيف المفردة الواحدة للحديث عن الحالة ونقيضها أو بتصور نقيضها بآن واحد .
 
5- تماثل :
 هناك الكثير من الحالات المماثلة, التي يمكن دراستها على هذا المحور، في الشعر العربي القديم والحديث, فقد ظهرت الأنا الكبيرة في لامية العرب للشنفرى(18) بعد أن ثار على قومه أو ثار قومه عليه, فتمرد عليهم وخرجوا عليه ومال إلى غيرهم وعاش غربته وتضاده النفسي والاجتماعي وحيداّ, بثقة عالية بالنفس تفوق حالة البشر العادية. خرج طرفة بن العبد الذي فلسف الحياة والموت من وجهة نظره, خرج على المجتمع أو خرج المجتمع عليه, كان كريماً شجاعاً يرتاد لذة العيش ويعتنق مكارم الأخلاق رافضاً الظلم بكل أشكاله, ومثّل المتنبي حالة الأنا الكبيرة التي ترتفع به أو يرتفع بها إلى مرتبة تفوق كل ممدوح لديه ويصل بها أو تصل به إلى التفرّد, وكان عنترة بن شداد حالة مماثلة لكنها ملتصقة بالقوم وليست خارجة عليهم, وشكل نزار قباني حالة معاصرة بعزفه على وتر ظلم المرأة, وهناك حالات أخرى كثيرة لم اذكرها, فقط أخذتُ العيّنات. يتلخص القاسم المشترك بينهم بالأنا الكبيرة, والتضاد وعدم الاستقرار, والهاجس النفسي الذي تمثّل بالغربة والوحدة والعزلة, أي الحالة النفسية المتشابهة لديهم والمتفردة عن غيرهم. تبدو المعاني مطروقة في الطريق, يعرفها العجمي والعربي, القروي والبدوي. إن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ, لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية ومعتمدة إلى غير نهاية, وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة, وبالتالي يتوجب انتقاء الألفاظ التي تدل على المعاني بتذوق, على أن لا تقود إلى الغموض . إذ " ليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه , حتى لا يحتاج السامع لما فيه من الروية, ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشو, ويحطه من غريب الأعراب ووحشي الكلام, وليس له أن يهذبه وينقحه جداً, ويصفيه ويذوقه حتى لا ينطق إلا باللباب, وباللفظ الذي قد حذف فضوله, واسقط زوائده, حتى عاد خالصاً لا شوب فيه, فانه فعل ذلك لم يفهم عنه, إلا بأن يجدد لهم اتهاماً مراراً وتكراراً, لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام, وصارت إفهامهم لأتزيد على عاداتهم إلا بأن يعكس عليها ويؤخذ بها كما يقول الجاحظ (19) . أن تكون رائداً في رصد جينية الثقافة العربية في القرن الثالث الهجري, هو أن تكون الجاحظ, ذلك العلامة الموسوعي الذي حاول أن يعي ويوثق ثقافة عصره العربي- الإسلامي, رامياً بعينيه إلى جذورها منذ الجاهلية مضيفاً إلى ذلك أفق المقارنة المستمرة في المفاهيم مع الحضارات الأخرى, المجاورة منها, والمعادية لها أيضاً من وجهة نظر ذلك الزمن . كان الجاحظ رجلاً فكرياً حداثياً, أفقه مفتوح أمام المستقبل, وكأنه يكتب من ذلك الزمن لكي يصلنا في هذا الزمن الجديد بمسؤولية المثقف الذي تجاوز عصره(20). كتب تولستوي الحكاية الشعبية التالية : " أمر ملك هندي بجمع كل العميان, وأمر خادمه أن يريهم فيلته, وأخذوا يجسوهن , فجس أحدهم الساقين, وجس الآخر الذيل والثالث جس البطن شبهها بكومة التراب, والرابع الذي جس الخاصرتين الظهر, وجس الخامس الأذن, وجس السادس الناب, والسابع الخرطوم, وطلب الملك إن يحدثوه عن فيلته, فوصفها الذي جس الساقين بالأعمدة, وقال الآخر: إنها تشبه الجدار والخيل, وقال الذي جس الأذنين, بأنها تشبه المناديل, ووصفها الذي جس الناب بأنها تشبه كبشاًُ أو قروناً, ووصفها الذي جس منبت الذيل بالأغصان, أما الذي جس الذيل فقد وصفها بالمكنسة، وأخذوا يتخاصمون في صحة قول كل واحد منهم "(21) , لقد وردت الحكاية في كثير من المراجع الأدبية الفارسية والعربية ومختلف حكايات الشرق, وربما نقلها تولستوي عن الأدب الهندي الشعبي . يشبه العمل الإبداعي الأدبي الفيل أو الفيلة في الحكاية السابقة, ويشبه كل واحد من النقاد الأعمى الذي جس جانباً من الفيل ووصف ذلك, لقد جس حقيقة ووصفها وتحدث عنها, لكنها ليست الحقيقة الكاملة, بل هي الجزء منها عند كل واحد منهم, ولا تشكل أقوالهم المجتمعة عن الفيل ووصفه, الحقيقة الكاملة, لأن الفيل في حقيقته الكلية ليس هو مجموع الأجزاء المجتمعة, التي جسوها ووصفوها, ولم يكن أحدهم على خطأ كما لم يكن على صواب أيضاً. يفرض السؤال التالي نفسه: كيف يكون النقد الأدبي موضوعياً ؟ وكيف يكون التذوق الجمالي للنص منهجياً ؟ تقودنا محاولة الجواب إلى البحث عن نظرية قائمة أو مفترضة في فلسفة الجمال والقبح من وجهة نظر ذاتية, دون التطرق إلى فلسفة الخير والشر من وجهة نظر الأخلاق, ومدى تطابق هذه النظرة على المنطق والعقل, ويحتاج السؤال إلى المزيد من الوضوح والشمولية أيضاً كمرحلة أولية, وقد تكون المحاولة للجواب على السؤال بطريق الفرضية مجدية كخطوة ثانية, تفضي إلى طريق الاستدلال العقلي المستند إلى المنطق والمناهج العقلية المنطقية للبرهنة على صحة الفرضية أو على نفيها من قبل الذين يرفضونها, إذ كيف نقترح فرضية نقد أدبي تقوم على التذوق الأدبي كمنهج ذاتي, ثم نعمل على إثباتها أو ننفيها بالاستناد إلى العقل والمنطق ؟ هنا قد تبدو بوابة النفس الإنسانية مدخلاً مناسباً للغوص عميقاً في ذات العمل الإبداعي بغية البحث عن مواطن الجمال فيه وفي النفس الإنسانية التي أنجزته, أو التي تلقته أيضاً, وهذا يقودنا بالضرورة عند الإثبات أو النفي, إلى تقديم وجهة أو وجهات نظر بعض الآخرين من مفكرين ومبدعين, الأمر الذي يقودنا إلى سؤال أوسع يشمل ماهية عملية النقد, وما إذا كانت عملية تقييم وتقويم, أم هي عملية خلق جديد للإبداع ذاته, أم هي نظرة مشتركة بين هذه وتلك؟. يضع المبدع منهجاً خاصاً به يسمى في بعض الأحيان مدرسة أدبية أو مدرسة إبداعية, يقتدي الآخرون بها بطريق التقليد أو التماثل أو التبعية, وتستهدي الأجيال الأدبية اللاحقة بالتشبه, أو التزوّد أو التزيّد والإضافة, أو بالانتقاد والخروج والتجديد, وبالتالي تصبح المدرسة كلاسيكية في حين كانت مدرسة حداثة في زمنها .
6- تفرّد :
 ويعتقد البعض "بندرة الإبداع الحقيقي, الذي تظهر فيه روح الفنان كثمرة مطابقة لحياته السابقة, فهو – أي الإبداع الحقيقي – مثل وضع حمل الأم بطفلها, في حين يضع الحرفيون والمعلمون الفن المزيف دون توقف, متى وجدوا مستهلكاً, ومنه لاحتاج الفن الحقيقي إلى التبرج فهو كالمرأة التي يحبها زوجها, أما الفن المزيف يجب أن يكون متبرجاً على الدوام كالعاهر, ويكمن السبب في ظهور الفن الحقيقي بالحاجة الداخلية للتعبير عن الأحاسيس المتراكمة, وإدراج الأحاسيس الجديدة في الحياة اليومية"(22) . تخلص وجهة النظر تلك إلى القول بأن الفن حاجة داخلية للإنسان, وتكون هذه الأحاسيس الداخلية تعبيراً حقيقياً للمشاعر التي تراكمتْ من خلال الزمن، وشكّلتْ بتراكمها أحاسيسا جديدة, وفي هذه الأخيرة يكمن أحساس الفنان والمبدع الذي يختلف عن إحساس الفرد العادي, وتتفق هذه المقولة مع النظرية الماركسية التي تقول بأن التراكم الكمي يؤدي إلى زيادة في الكيف, ويضيف هذا القول رؤية إبداعية جديدة, تعطي الحياة زاداً وقوة وأملاً وإبداعا صادراً من الذات المبدعة أو النفس المبدعة, مرسلاً إلى الذات أو النفس المتلقية, وهنا يكون الفن الحقيقي والإبداع المتطور, وما عدا ذلك يكون الفن مزيفاً, ومهما يكن الأمر فانه لا يكون فناً إذا لم يحقق حالة التجديد أو على الأقل الاعتقاد بالتجديد بين المبدع والمتلقي المستمر في الزمان والمكان, ويظل السؤال قائماً : هل نعتبر النقد بشكل عام والنقد الأدبي بشكل خاص إبداعا ؟ وهنا بيت القصيد . يبدو الجمال معدوم الوجود بذاته, كذلك القبح, ويبدو ذلك وكأنه قضية نفسية ذاتية داخلية خالصة, وقد يتعلق الأمر بالذات الناظرة، أكثر منه بالذات المنظورة, لعل الجمال موجود في الذات الناظرة كما هو بالذات المنظورة, حيث يصدر من الذات المنظورة إلى الذات الناظرة, التي هي بالأصل تحمل جمالاً, فيتفاعل معها بأحاسيس ورؤية جديدة, وينعكس إلى الذات المنظورة ويضفي عليها شكلاً جمالياً جديداً تراه الذات الناظرة وكأنه صادر من الذات المنظورة, وما ذاك إلا حالة الانعكاس الداخلي والخارجي الجميل من النفس الناظرة الجميلة على الأشياء فتعطيها جمالاً مضافاً إلى جمالها, ويرتد مرة أخرى إلى الذات أو النفس الناظرة, فتكوّن الأخيرة تذوقاً خاصاً بالصور الحسية الجمالية . بمعنى آخر: تتكون صور الجمال بين الناظر والمنظور من خلال الحالة النفسية الجمالية للأول على الثاني, وعلى القياس عينه يمكن أن نسقط الأمر على حالة القبح وعلى الحال المتوسط بين الجمال والقبح . لا يوجد الاتفاق الكلي, بالمعنى المطلق على الأقل, على قياس محدد للجمال والقبح, بل هو محل الخلاف المستمر, وبالتالي تبدو الحالة نسبية, ولا يوجد تطابق بين حالة الجمال والخير من جهة, والقبح والشر من جهة أخرى, وذلك لاختلاف أساس القياس في الخير والشر عن أساس القياس في الجمال والقبح, تقوم الحالة الأولى على منظومة فلسفية عقلية ومنطقية تستند إلى الدين أو الأخلاق, أو إليهما معاً, في حين تقوم الحالة الثانية أساساً على منظومة نفس بشرية داخلية, تستعين بالمنظومة الأولى استعانة, ونقول بالمعنى الآخر: تقوم فلسفة الجمال والقبح على أساس الانعكاس النفسي, فما أراه جميلاً, قد تراه النفس الأخرى قبيحاً أو العكس, وعلى أساس من ذلك نسقط هذه الفرضية على الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص, حيث يساهم التطبيق العملي بتوضيح النظرية بشكل أكثر بروزاً. وعليه لا تخضع فلسفة الجمال والقبح, ومنها الفن والأدب, إلى قياس عقلي خالص كلي وشامل, فان خضع لمثل هذا كان الجمال واحداً على استمرار الزمان والمكان, وتكون قراءة العمل الإبداعي الفني الواحد, كنص أو لوحة من الناحية الجمالية - تكون – قراءة موحدة مطلقة كحالة افتراضية, لوجود وجوب القياس العقلي الموحد, وهذا محال, لأن هذه الحالة الافتراضية غير موجودة على الواقع الفعلي, إذ تتعدد القراءة الجمالية وتختلف تبعا للمكان والزمان من جهة, وتبعاً للذات المنظورة أي المبدع والعمل الفني الإبداعي, والذات الناظرة أي المتلقية الناقدة من جهة أخرى, وعليه تنفي القراءة العقلية الصرفة للعمل الإبداعي الفني, تنفي الإسقاط الذي يلقيه المبدع على عمله، أو ذاك الذي يلقيه المتلقي, ويتجرد العمل الإبداعي من أدواته التي هي الروح المحرّكة والنفس المحرّضة, وبدونهما يستحيل قراءة العمل الإبداعي, ومنه يكون العمل المتجرد من الروح والنفس مزيّفاً وآنيّاً, وليس له سمة الخلود أو الاستمرار ويكون خالياً من الحس الجمالي الذي يدفع بالعمل إلى الاستمرار للأجيال التي تتفق أو تختلف حول قيمته الفنية, ويكمن سر خلود أعمال الفراعنة الفنية الإبداعية إلى الاختلاف حول أسرارها, وهنا يمكن أخذ القياس ذاته, في فنون الحضارات العالمية في الشرق والغرب, فكان الفن والإبداع الفني في الحضارة الإغريقية - كشأن الفن المصري الفرعوني – نبراساً لحضارات الإنسانية, في حين لم يصل الفن الروماني إلى المستوى ذاته, وقد برر نيرون انسحابه بدون مقابل من الأراضي اليونانية التي احتلها الرومان, بأنهم أي الرومان, يحكمون شعباً أكثر حضارة وقد يذوب السيف الروماني في مياه الحضارية اليونانية, وقد ينسجم القول ذاته مع الفن الايطالي في عصر ما يسمى بداية النهضة الأوربية . يطلق أهل الصوفية, على الإسقاط النفسي أو الروحي, اسم الذوق أو التذوق, ويعتمدون على المجاهدة بالرياضة والتمرين والتدرّج, لتهذيب النفس الأمارة بالسوء والابتعاد بها أو إبعادها عن القبح الموجود بها, لأجل السمو الروحي والوجداني لمحاولة الوصول إلى الكمال المطلق, منه الجمال المطلق من خلال صقل الروح التي هي مكمن الجمال المطلق, ويعتقدون بوجود القبح في النفس وبوجود الجمال في الروح, وبالتالي يكمن الجمال المطلق في الروح والقبح المطلق بالنفس . إذ تقترب الذات المجاهدة من الجمال والكمال, طرداً كلما ابتعدت عن السوء الكامن بالنفس, ويعالج الصوفيون الجمال من خلال نبذ المادة الفانية وتخليد الروح الباقية . تنطلق روح الذات الناظرة, إلى روح الذات المنظورة, في مساحة واسعة من الحب الشامل للأحياء والأشياء, تختلف فيه النظرة والرؤية من ذات ناظرة إلى ذات ناظرة أخرى تبعاً لفلسفة الذات الناظر التي تضفي شيئاً من ذاتها الناظرة - بما فيها من جمال أو قبح - إلى الذات المنظورة من وحدة الوجود أو تعدديته أو الحلول فيه إلى غير ذلك, فتعكسه الذات المنظورة وكأنه موجة صادرة من هذه الأخيرة إلى الذات الناظرة, التي تعتقد – الذات الناظرة وكأنه يصدر من الذات المنظورة, وفي الحقيقة هو الانعكاس المتبادَل بينهما بتأثير كبير من الأولى الناظرة إلى الثانية المنظورة, وبقليل من التأثر من المنظورة إلى الناظرة, عندها تعدد القراءة تبعاً للذات الناظرة, مع ثبات الذات المنظورة من حيث المادة .
 
فصل (3) نظرة
7- تذوق :
     حاول بعض المتصوفة فلسفة الأمر دون استخدام القياس العقلي, في حين فلسفها الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي, عندما أعتبر أطوار المعرفة ثلاثة, الطور الحسّي الذي يكذبه العقل, والطور العقلي الذي يعتمد المنطق مكذّباً الحسّي, والطور الثالث الذي اعتبره الغزالي,
" حاكماً آخر, إذا تجلى كذّب العقل في حكمه",
(23) ولعله يعني الروح, أو طور ما وراء العقل والذي يسمى الميتافيزيقية, وبهذا الطور تكمن المعرفة النهائية والكمال المطلق والجمال الحقيقي,كما يراه الغزالي, وقبل الولوج بمتاهة المنزلق الفلسفي الخطر, الذي يقود إلى قضايا تخرج عن مجال هذه الدراسة التي تعني بجمال الشعر, نوضح أن القول هنا في معرض إثبات الفرضية المشار إليها أعلاه دون الغوص في الجانب الديني اللاهوتي والمعاني المرتبطة به أو المفسرة له من جهة, أو الدخول في الجانب الفلسفي الخالص حول الكون والحياة والوجود وما إلى ذلك, إلا بالقدر الذي يحقق الهدف من هذه الدراسة, وما إذا تغطّي الفرضية تلك حالة التذوق ؟ ومن غير الممكن عند القراءة أن ننفي الحالة النفسية كلياً, والتي هي كتلة الأحاسيس المرتبطة بالعقل, وتشكّل الروح حالة, كما تشكّل النفس حالة أخرى, ويشكلان معاً حالة أخرى ثالثة عند قراءة الجمال . في الحالتين: الذاتية النفسية التي افترضناها, أو الصوفية التي أتينا عليها، هي, تكون من حيث النتيجة طرقاً للنظر إلى الجمال, ومن حيث كونها طرقاً, فهي تعدد تبعاً للزمان والمكان, وتبعا للذات الناظرة من جهة, وتبعاً للذات المنظورة من جهة أخرى, وبتعددها كطرق, تختلف بالضرورة, وقد يقود هذا إلى اختلاف في النتائج أيضاً, كان يوسف عليه السلام جميلاً بالمطلق بالنص الديني والنور الإلهي, في حين كان جمال الآخرين نسبياً, تبعاً للذات النفسية الناظرة والمنظورة, وعلى القياس عينه تكون الأعمال الإبداعية الأخرى - من شعر وقصة ورواية ومسرح وغير ذلك - نسبية الجمال, وحتى نتمكن   من تحديد نسب الجمال بعمل فني إبداعي إلى آخر, نحتاج إلى قياس عقلي ومنطقي, لأنه من غير الممكن نفي العقل كلياً عند تذوق الجمال, كما لا يمكن الركون إلى استخدام قياس عقلي كليٍ شامل عند تذوق الجمال, لأنه, والحالة هذه, يكون الجمال واحداً في الزمان والمكان, وهذا محال, فالقياس العقلي الشامل, ينسف فرضية التذوق هذه من أساسها. يرى البعض النقد إبداعا جديداً موازياً لفكرة المبدع وعمله, ويرى البعض الآخر أنه – أي النقد – دون الإبداع, ولكن لا تتشكل الرؤية النقدية بدون الرؤية إبداعية الخاصة, ويرى البعض الثالث أن النقد عمل حرفي منهجي ولا يمت إلى الإبداع بصلة بل هو حالة ميكانيكية يقوم الأكاديميون المحترفون به, ومنه يتشكّل السؤال بطريقة أخرى: أين موقع نقد الجمال من الفرضية المذكورة ؟ أو ما دورها - أي الفرضية – في عملية النقد الأدبي وخاصة الشعر؟ كانت رؤيتنا ومازالت تقر بسبق الإبداع على النقد, وأن الأخير يواكب الأول ويوازيه, وغياب النقد الجيد يعني غياب الإبداع الجيد لأن الأخير يفرض ويفرز الأول . سألتُ شخصية مبدعة وناقدة, وكنتُ قد تناولتُ عمالاً إبداعيا لها, بطريق الذوق أو التذوق الفني بالفرضية أعلاه, وتوصلتُ إلى بعض النتائج الخاصة التي أشرتُ إليها بالرمز أنا الأخر, وما إذا كانت رؤيتي قريبة من الذات المبدعة في العمل, فأجابتْ: كانت القراءة الجمالية التي أتيتَ عليها, كانت انعكاساً للبيئة الذاتية على النص المدروس, ولم أطلب المزيد من الإيضاح آنذاك, ولعلها قصدتْ بيئة الناقد أو الدارس على النص المدروس, أي إسقاط بيئة الذات المتلقية على العمل الإبداعي, وأضيفُ, يشمل الإسقاط هذا البيئة الجغرافية والاجتماعية والنفسية, بعملية تبادلية بين الذات المتلقية من جهة, والذات المبدعة من جهة أخرى, إذ لا بد من قراءة بيئة المبدع, إضافة لبيئة المتلقي, من أجل فهم أفضل, وتفسير أجمل, للعمل الإبداعي . قد تتفق مع هذه النظرة الذاتية للعمل الفني والإبداعي, كما قد تختلف, وبين الاتفاق والاختلاف, تكمن الحقيقة التي لا تخرج عن حرية الرأي والرأي الآخر, وتشكّل الموضوعية شرطاً جوهرياً في الأبحاث العلمية والدراسات المنهجية, ويفترض البحث العلمي الموضوعي تجنب العواطف الجيّاشة والذات, بغية الوصول إلى الحقيقة التي هي هدف البحث, يفترض العامل الموضوعي الاهتمام بالذات المبدعة, أو بمعنى أكثر وضوحاً, الاهتمام بالبيئة الذاتية للمبدع, تلك البيئة التي انطلق منها العمل الإبداعي وخرج إلى النور, والتي ثبتها في نصه الإبداعي, أو عمله الفني, لهذا تستمد القراءة الذاتية للعمل الإبداعي وجودها من جوانب ثلاثة مجتمعة أو منفردة, الأول, جانب الذات الناقدة أو الدارسة المتلقية, والثاني, جانب الذات المبدعة والثالث, جانب العمل الإبداعي نفسه, وفي هذا الأخير لابد وأن تجد فيها ذاتك أو ذات المبدع بالضرورة، وعليه تبدو الذات بارزة في النقد الأدبي, مهما حاولنا تغييبها, وفي بروزها يكمن ضعف الجانب الموضوعي بالعمل النقدي, أو غيابه كليّاً , وبهذا الضعف أو الغياب ينفي المنهجيون الصفة العلمية عن القراءة النقدية للإبداع والجمال . أقول: يمكن أن أطلق على القراءة الذاتية, أو تذوق العمل الإبداعي والفني, نقداً بالمعنى العام والشامل, لأنها, أي القراءة, ترتبط – أي النظرة الذاتية للعمل الإبداعي- بالحب أو الكره, ولهذا العنصر النفسي, الأثر الواضح, في هذه الطريقة, بنقد جمال الفن والإبداع, ويتفوق الجانب الذاتي على الجانب الموضوعي, ويظهر التفوق جلياً, في النصوص الأدبية عامة, وفي النصوص الشعرية خاصة, وأقل بروزاً, في قراءة اللوحات الفنية وأعمال النحت, وتبرز حال الذات النفسية للعين القارئة والدارسة الناقدة, تجاه الموضوع الإبداعي صارخة, في الرسوم والصور الشخصية, قد نؤيد فرضيتنا هذه بأدلة من الفكر القديم الحديث وقد يسعفنا المتصوفة بما يعزز نظرتنا إلى نقد الجمال . يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف وضع النقاد نظرياتهم والتي أصبحت مدارساً أدبية ؟ أقول جواباً على ذلك, لقد وضعوها بنظرة ذاتية أولاً, وحاولوا تطبيقها على الأعمال الفنية الإبداعية ثانياً, ثم القياس بموضوعية بالتطبيق ثالثاً, وتأتي المرحلة الرابعة والأخيرة كمحاولة لرفع التطبيق الموضوعي إلى مستوى القانون النقدي الثابت للقياس عليه .
 
8- محبة :
أما والأمر كذلك فبوسعي أنا الأخر وضع نظرتي في بداية الطريق، فمن الذي خول الآخرين حق وضع الفرضيات سوى أنفسهم, ويمكنني أنا الآخر الاسترشاد ببعض التجارب السابقة, والأفكار القائمة بما يدعم نظرتي، وأقدّم شهوداً لا يتطرق الشك إلى صحة أقوالهم في مجال عملهم، وقد أسستُ فرضيتي, على أساس نفسي, يقوم على الحب أو الكره, كنقيضين .  قال أفلاطون في جمهوريته، " إن أجمل الأشياء أحبها إلى القلب ", وأضاف في موضع آخر بان الأجمل والأكثر جمالاً " الجمع بين جمال الظاهر وجمال النفس الباطن " . ويجمع أفلاطون بين الحب واللذة والمتعة حيث يقول: " إن أعظم لذة هي التمتع بلذة الحب" ويبرهن على نظريته تلك أو يفسرها بالقول: يعجب "محبي النظر والسمع.. بالجميل من الأصوات والأشكال والألوان والصور وكل ما دخل في تركيبة هذه الأشياء من منتجات الفن " فان فهموا أصل الجمال كان حبهم له قائماً على المعرفة, وان لم يفهموا ذلك كان حبهم قائماً على التصور, ويكون أفلاطون أكثر وضوحاً بقوله: " إذا أدرك امرؤ وجود الأشياء الجميلة ففهم الجمال المطلق وامتلك قوة التمييز بين جوهر الأشياء التي يتجلى بها سميناه عارفاً لأنه أدرك الحقيقة, وأما إن جحد الجمال المطلق وعجز عن إتباع إدراكه سميناه متصوّرا "(24) . يقوم الجمال على الحب, فان فهم المتلقي أصل الجمال قام حبه للجمال على المعرفة، وان لم يفهم هذا الأصل, قام حبه على التذوق, وفي الأمرين: المعرفة أو التذوق يكون الحب وسيطاً ضرورياً لا يقوم الجمال بدونه, وقد يقترب, إلى درجة التطابق الكامل, الرأي المذكور لأفلاطون, قد يقترب من آراء بعض فلاسفة المتصوّفة في العصر الإسلامي مثل ابن طفيّل والغزالي, حول ارتباط الجمال بالحب والمعرفة من جهة, أو بالحب والذوق من جهة أخرى . يوضّح المفكر الصوفي ابن طفيّل في قصة أو رواية حيّ بن يقظان, يوضح الطريق الصوفي, والمنهج العقلي, للوصول إلى الحقيقة المطلقة، أو الجمال المطلق والكمال النهائي, عن طريق الرياضة الروحية, والتذوق الذي يرتفع ويتصاعد بمراتب المحبة, ينشد من حيث النتيجة النهائية, الحقيقة المطلقة, وتبدو رواية أو قصة حي بن يقظان, مثالاً صوفياً للوصول إلى الحقيقة, عن طريق العقل, دون تبلّغ رسالة سماوية بالوحي, ويتطابق لديه المعقول بالمنطق, مع المنقول بالوحي, من حيث النتيجة لجهة الوصول إلى الحقيقة المطلقة, من خلال تتبع رواية صوفية فلسفية متخيلة(25). ويرتب الغزالي, مراتب الصوفية, حيث يضع الطهارة أول مراتبها, مروراً بطريق المكاشفات, والمشاهدات, والصحبة, وحسن الظن, والعشق, وينتهي الأمر إلى قرب تتخيّل الذات الصوفية, وهي مخطئة , طائفة, منهم الحلول, وطائفة أخرى الاتحاد, وطائفة ثالثة الوصول, وآخرها الفناء بالكلية بالله, وهذه الحالة " يتحقق منها بالذوق من يسلك سبيلها, فمن لم يرزق بالذوق, فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم." (26) …إلى آخر ذلك, وقد يصل الصوفي للمرتبة التي يرغب وينشد, وقد لا يصل وفي الحالة الأخيرة قد يخالطه الندم لعدم فوزه بالمرتبة التي يريدها, أو يكون ندمه ناتجاً من عدم رضاه عن منزلته, ولم يكن الحديث عن الصوفية, والفكر الصوفي هنا, إلا في معرض الاستدلال على الفرضية التي أتيت عليها . يقدّم شعر الغزل الصوفي, الكثير من الحالات, التي تؤيد ما نرمي إليه, ولا يتسع المقال والمجال للحديث عن جميعها, وأتقدم بعلمين بارزين, وبإيجاز شديد, من أعلام الشعر الصوفي, وقع الاختيار عليهما بطريق التذوق, مع عدم التقليل من شأن الأعلام الأخرى في الفكر الصوفي, الأول, هو السهر وردي الشافعي المذهب, أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك, الملقب شهاب الدين, نشأ في مراقة وعاش بأصفهان ثم في بغداد وانتقل إلى حلب, أُتهِمَ بفساد العقيدة وأفتى العلماء بإباحة دمه, وسجنه الملك الظاهر في قلعة حلب وخنقه فيها عاش بين(549و587هجري- 1154و1191ميلادي) كان دميم الهيئة محتقر المظهر, اشتهر كفيلسوف, وشاعر ناثر, وفقيه متكلم, وأصولي . والثاني, هو ابن الفارض الذي أتينا على ذكره في المقدمة . يتفق - في كثير من الأحيان - الفكر الصوفي, مع فكر أفلاطون, حول علاقة الحب بالجمال أو العكس, ومدى ارتباطهما معاً بحالة التذوق . إن الذات الصوفية- المحبة والعاشقة – جميلة ومشرقة, من أعماق نفسها وروحها, وأسقطتْ جمالها الداخلي وإشراقها الخارجي على المحبوب, فنظرتْ إليه فغدا معروفاً بها كما هو معروفاً بجماله, ويصح العكس أيضاً, ولم تتمكن الذات غير الصوفية من الإسقاط الجمالي منها أو عليها, وبالتالي لم تتمكن من التقاط عناصر الجمال الروحي والمادي, ولهذا السبب ربط المتصوفة بين الحب والجمال من جهة, وبين المعرفة والحب من جهة ثانية, وكان ابن الفارض الأكثر وضوحاً في الربط والتداخل بديوانه, وهو الذي تدرج بمراتب الصوفية, حتى أطلق عليه البعض لقب سلطان العاشقين وإمام المحبين, ومن المفيد التوضيح بأن الغاية هنا هي البحث في المقصد الجمالي للنقد الأدبي الإبداعي عامة والشعر الصوفي خاصة وبعيداً عن حالاته الدينية, ودون الدخول بالتأويل الديني الظاهري منه أو الباطني . 
يقول السهر وردي:
 لا يطربون لغير ذكر   حبيبهم         أبداً فكل زمانهم أفراح
ركبوا على سفن الوفا ودموعهم         بحر وشدة شوقهم ملاح (27)
ويقول ابن الفارض:
فدعني ومن أهوى فقد مات حاسدي       وغاب رقيبي عند قرب مواصلي
فلله   كم   من   ليلة       قطعتها        بلذة   عيش   والرقيب   بمعزل
ونقلي مدامي   والحبيب   منادمي        وأقداح   أفراح المحبة   تنجلي
 كما يقول وان لم يكن قوله هذا موضع إجماع, كما لم يكن موضع شك أيضاً :
وأباح   طرفي   نظرة   أملّتها           فغدوت معروفاً وكنت   منكرا
فدهشت بين جماله   و جلاله           وغدا لسان الحال عني مخبرا
فادر لحاظك في محاسن وجهه            تلقى جميع الحسن فيه مصورا(28)
ويفصح المفكرون أن عن أقوالهم, ويمكن أن أورد البعض منها: إذ يميل توفيق الحكيم إلى وجود الشعور الذي يسبق المعرفة, ولعله يقترب من الفكر الصوفي بعض الشيء بالشعور, ولعل هذا الأخير قريباً من الذوق أو التذوق أو الذائقة, وهل تكون الذائقة إلا شعوراً, وهل يكون الشعور إلا ذائقة ؟ أو على الأقل أحدهما يستغرق الآخر .
 
9- تأمل :
 وعليه " يبحث الفنان عن أسلوبه إلى أن يجده فيصبح سجين ذلك الأسلوب إلى الأبد ", وكما يقول توفيق الحكيم, " يبدع الفنان الحقيقي بدافع تحقيق ذاته, من خلال متابعة التطورات والتغيرات التي تحدثها ملكاته,… ويخطئ المجتمع دائماً في فهم الفنان, كلما أراد أن يطبق عليه قانوناً ثابتاً ", ويقر الحكيم بالشعور الذي يسبق الفكر, وأن الأخير يسبق العمل وبالتالي " يشعر الإنسان أولاً, ثم يفكر ثانياً, ويعمل ثالثاً "(29), ولم يوضح الحكيم قصده "بالعمل" ومدى شموله للعمل الإبداعي أم لا, ومهما يكن من قصد الحكيم, يختلف البعض معه بالفكرة وبجوهر الفلسفة الوضعية المادية منها والمثالية, ويرى بسبق العمل التي تنشأ المعرفة منه, وأُثيرَت الحجج والبراهين على كل قول. ولم يكن المجال مناسباً للحديث عن هذا الموضوع وعن الآراء التي أُثيرَتْ حوله . و بكل تواضع يقول ت.س إليوت: " تعود قيمة مؤلفاته إلى أنه كتب دون أن يكون مضطراً إلى إرضاء أحد غير نفسه " ويضيف " يتطلب التفكير اللاهوتي الصحيح الدعة والتأمل"(30), ونحن نقول : يتطلب الإبداع الإنساني العظيم الدعة والتأمل, وليس التأمل حاجة للتفكير اللاهوتي فقط . نبعتْ الأفكار الخالدة التي غيرت مجرى التاريخ, نبعتْ, من التأمل الطويل, الذي يعطي صاحبه أبعاداً كبرى, لا يدركها الإنسان العادي, ويتفق الصوفيون, مع إليوت, في فكرة التأمل, التي يستند إليها, ألم تكن الخلوة تأملاً ؟, وهل يكون التأمل بدون خلوة ؟, لقد أيدتْ أقوال أفلاطون, و فلاسفة وشعراء الصوفية, وتوفيق الحكيم, و إليوت, أيدتْ تلك الأقوال : الفرضية التي أتيتُ عليها, حول قراءة الجمال بين الناظر والمنظور, وعليه نقول: تتكون عملية نقد الفن ونقد الجمال من عناصر ذاتية وأخرى موضوعية, وهي في عملية فكرية متفاعلة بالضرورة, إذ لا يمكن أن يقوم نقد الجمال بدون أساس فكري ومنطقي, ولكنها - أي العملية النقدية - ليست فكرية خالصة. وقد يسأل متذوق الفن و منتقده, السؤال ما إذا شكّل ويشكّل - نقد الجمال والفن – علماً أم فناً ؟ . ويكون الجواب من السهولة بمكان بجمع العلم والفن في العملية النقدية والقول: يكون النقد عِلماً وفناً . هو علم على عموم اللفظ, من حيث اعتماده على المنهجية العلمية والموضوعية واعتماده على المدارس النقدية, ويعتبر النقد فنا, من حيث اعتماده على الأحاسيس الداخلية والذائقة الذاتية للذات المبدعة والذات المتلقية والناقدة, يبدو الجواب مقبولاً ومنطقياً وبسيطاً بآن واحد . يشبه هذا التحليل النقدي, يشبه التحليل الصحيح لحركة المشي على القدمين, ويضطرب الإنسان ويتعثر بالسير عندما يفكر بها, مثله كمثل الذي يحلل عملية مضغ الطعام, يغص ويصعب عليه الابتلاع والمضغ عند التفكير بالعملية, مثله كمثل صوفي صاحب لحية كثة وطويلة وقد سأله أحد مريديه أين يضع لحيته ليلاً في الشتاء البارد, فوق الغطاء أم تحته ؟, فأجابه الشيخ بعد صلاة فجر اليوم التالي بالقول : يا بني أفسدتَ عليّ سعادتي ونومي, أضعها فوق الغطاء فأبرد, وأضعها تحته فأتعب, اذهبْ عني واعبد ربك ولا تفكر بلحيتي . ومهما يكن من أمر هذا التحليل, حتى لو أدى إلى تعثر المشي أو تعسر المضغ أو إلى الإرباك الذاتي, فهو- أي هذا الأمر - الحالة العلمية الصحيحة, وسنعرض نظرتنا التحليلية والتركيبة التي تتفق مع فرضيتنا وتكملها, فنقول : الكمال المطلق, ومنه الجمال المطلق لله وحده, وقد يكون الجمال المطلق بالنص الديني, أو النور الإلهي دون الدخول بالمعنى الديني الصرف, وعلى هذا الأساس يتوجب الكمال المطلق, والجمال المطلق, في الفن بشكل عام, من الناحية النظرية على الأقل, وبالتالي يتأسس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

جوهر الصراع في الشرق الأوسط : الأرض! - د. بثينة شعبان

كتبها خلف المجدمي ، في 5 نيسان 2010 الساعة: 13:19 م

دمشق- صحيفة تشرين - الاثنين 5 /4/ 2010
      
مازالت حدود الألم ترتفع في منطقتنا مسجلّة كلّ يوم مستوى أعلى من الذي سبقه، ولكن دون أن تلفت هذه المستويات أنظار أحد من قادة العالم، أو تدفعهم ضمائرهم إلى اتخاذ موقف حضاري يتجاوز حديث (دعوة الطرفين للحوار), ذلك لأن الأحداث هنا مبطّنة بشعور عنصري خفيّ تتم تغطيته بحوادث لا تؤثر على مستقبل هذا الصراع وجوهره، ولكن يتم الترويج لها لفترة كي تساعد في تمرير حقيقة ما يتم التخطيط له وتنفيذه على الأرض. الحروب الغربية على العرب متواصلة منذ أكثر من مئة عام، ولكن في السنوات الأخيرة كانت ومازالت هناك جبهتان تعتصران قلوبنا ألماً. فللمرة الأولى نشاهد رجالاً عراقيين يبكون من هول الخسارة للولد أو الزوج أو العائلة. وتمضي اللقطة التي لا تستمر إلا بضع ثوان، ويتحول جميع هؤلاء إلى أرقام على الشريط الإخباري بالعشرات أو المئات وصولاً إلى إبادة مليون عراقي. وجبهة الألم المتصاعدة هي فلسطين المكبّلة بأغلال الوحشيّة الإسرائيلية وكأنّ إبادة العرب أصبحت أمراً عادياً. أمّا حين يكون الضحايا من أي جنسية أخرى، فتستعاد القدسيّة لحياة البشر ويستنكر العالم قتل الأبرياء، كما يجب أن يُستنكر بالفعل قتل أي إنسان، والإيحاء من ذلك هو أنّ العرب والمسلمين برمّتهم ليسوا أبرياء، ولذلك يجب عدم التوقف لدى قتلهم وكأنه جريمة قتل حقيقية ضد البشرية، وربما هذا هو الهدف الأول والأخير من الحرب ضد الإرهاب والتي صنّفت العرب والمسلمين بالإرهابيين، وشنت الحروب ضدهم في غرب آسيا ومحاكم التفتيش ضد جالياتهم في الولايات المتحدة وأوروبا. وربما هذا هو أيضاً المرتجى من استراتيجية مغلوطة لمواجهة الإرهاب، حيث تطلق النداءات لدى كل حادث إرهابي بإبادتهم والقضاء عليهم، ولا يعتبر أي قتل أو اغتيال للعربي أو المسلم إرهاباً، كما لاحظنا من اغتيال المبحوح، والآلاف ممن اغتالتهم إسرائيل ومازالت، بعمليات إرهابية معلنة ومخطّط لها وموقّعة من حكومة الكيان. إلا أن ثمن هذا التضليل في فلسطين غالٍ وغالٍ جداً، لأن ثمنه تطهير عرقي يجري علناً في فلسطين حيث تتم سرقة الأرض، وتهويد المقدّسات، وتهجير وقتل السكان الأصليين، وملاحقتهم يومياً بالمصادرة والقتل وهدم المنازل من قرية إلى قرية ومن حيّ إلى حيّ. وآخر أساليب التطهير العرقي هو قتل العرب دهساً بالسيارات من قبل مستوطنين حاقدين .

 

إذ هل يمكن لأحد في العالم أن يتخيل أنّ التطهير العرقي الإسرائيلي للفلسطينيين، قد وصل حدّ إجبار الفلسطينيين على هدم منازلهم بأيديهم، أو طلب غرامة مالية كبرى لهدم المنزل لا يستطيع أي فلسطيني دفعها. إن هذه الجرائم التي بدأ الإسرائيليون بارتكابها منذ عدة سنوات بشكل متصاعد وبدعم من صمت العالم الغر

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أسباب موجبة

كتبها خلف المجدمي ، في 2 نيسان 2010 الساعة: 17:11 م

 فمن الأفضل كسب مودة وتعاون دول منطقة الجوار, أو تحييدها,  بدل تركها مساحة نفوذ لأعداء العرب, فقد وثّقَ الصهاينة الإسرائيليون علاقاتهم سابقاً مع دول جوار العرب (إيران وتركيا وإثيوبيا), وقد أحترم حذر البعض من " أن الاعتماد على دول الجوار لن يكون كافياً لاستعادة القدرة (العربية) على صنع بدائل، بل قد يضيف إلى العجز القائم يأساً وتبعية لا ينقصانا ", إذ أقدّر هذه الفكرة, ولكن قد أختلف معها, وأقول كما قال الأعشى :( لما التقينا كشفنا عن جماجمنا / ليعلموا أننا بكر ٌ فينصرفوا / قد آبَ جارَتَهَا الحسناءَ قيمُها / ركضاَ , وآبَ إليها الثّكلُ والتلفُ) . وأرى كمثقف مهتم بالشأن العام أننا أمام صراع حضاري مصيري ترتب المصلحة فيه قيام التفاهم الاستراتيجي لدول منطقة " العرب وجوارهم", -(إسرائيل ليست دولة وليست جواراً)- الذي يمر بمراحل للوصول لشكل مقبول قابل للتطور والتطوير, ولعل بيان بعض الأسباب الموجبة لهذه النظرة, توضح مدى أهميتها . ربما يكون الخلاف بين حضارات الشرق وثقافاته في الجنس , في حين الخلاف أو الاختلاف بين حضا